فهرس الكتاب
يبقى ما ذكره ابن إسحاق من وصول أخبار إلى أهل الحبشة عن إسلام وسجود أهل مكة واردًا - دون ذكر قصة الغرانيق -.وهذا السبب يؤكده ابن حزم بقوله: ثم اتصل بمن كان في أرض الحبشة من المهاجرين أن قريشًا قد أسلمت، وكان هذا الخبر كاذبًا، فانصرف منهم قوم ... (1) .
ويقول الذهبي: رجعوا حين سمعوا بإسلام أهل مكة عند نزول سورة النجم (2) .
وقال ابن حجر عن مجيء من رجع من أهل الهجرة الأولى أن ذلك بسبب سجود المشركين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين في سورة النجم، فشاع أن المشركين أسلموا وسجدوا، فرجع من رجع من الحبشة (3) .
ولم لا يكون ورادًا وقد أسلم في هذه الفترة حمزة، وعمر رضي الله عنهما، وهذان لهما مكانتهما في قريش، فكيف إذا وضعنا في الحسبان أن الخبر قد يكون بلغ أهل الحبشة أكبر من هذا.
ووضعنا في الحسبان كذلك السآمة والملل، التي ألمت بالمهاجرين وأشار إليها الذهبي بقوله: وكذا قدم الزبير، وابن مسعود، وطائفة من مهاجرة الحبشة مكة، وملّوا سكنى الحبشة (4) .
وآلام الغربة في تجربة تعد الأولى من نوعها للمسلمين عبر عنها الشامي بقوله: فلا شك أن مشاعر الغربة كانت قاسية عليهم، الأمر الذي جعلهم يرون إيذاء قومهم محتملًا إزاء ما كانوا يعانون من غربتهم، وهذا ما دفعهم إلى العودة، وربما ساعد على ذلك وصول نبأ إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما (5) .
وإذا وقع الخلاف والإشكال في سبب القدمة الأولى لمهاجرة الحبشة إلى مكة فالأمر ليس كذلك بالنسبة لأسباب القدمتين الثانية والثالثة.
(1) جوامع السيرة ص 65.
(2) سير أعلام النبلاء 1/151.
(3) الفتح 4/234.
(4) سير أعلام النبلاء 1/435.
(5) أضواء على دراسة السيرة ص 104.