فهرس الكتاب
أما الثانية، فسببها كما في نص البخاري: العلم بهرجة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة والرغبة في الهجرة معه والمسلمين إلى المدينة، وقد نص ابن حجر على الفرق بين سبب هذه والقدمة الأولى، وأشار إلى أنهم قدموا مكة أولًا، وأن الذين هاجروا منهم إلى المدينة معظمهم لا جميعهم (1) .
وكذلك نص عليها ابن سعد في نقله عن الواقدي (2) . كما ذكرها ابن عبد البر (3) .
أما إغفال ابن إسحاق لذكر سبب هذه القدمة، فيقول عنه الشامي: أنه مسلك لم ينفرد به ابن إسحاق وحده، بل شاركه في ذلك آخرون من كتاب السيرة، ولعل السبب في ذلك أن عودتهم كانت متأخرة وقد سار في تصنيفه حسب السنين، فأرجأ ذلك حتى يأتي وقته ثم نسي ذكر ذلك (4) .
ولئن كنا نوافق الشامي على عدم ذكر ابن إسحاق للهجرة سببًا للقدمة الثانية، فلا نوافقه على كون (النسيان) سببًا لذلك بدليل أنه لم ينسَ ذكر القدمة الثالثة (جعفر وأصحابه) حين بعث إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري، وهذه متأخرة عن القدمة الثانية فكيف نسي الثانية وذكر الثالثة؟
أما صاحب (أحاديث الهجرة) فهو حين يؤكد رأي ابن إسحاق أن للمهاجرين قدمتين فقط (الأولى، والثالثة) يُعلل ذلك بأن صنيع ابن برجوع أحد، فعنده أنه لما هاجر الأولون ووصلوا الحبشة تلاهم البقية بمعية جعفر بن أبي طالب، حتى اجتمعوا هناك، ثم بلغهم إسلام المشركين وسجودهم فرجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا وهذه هي القدمة الأولى عنده، والثانية عام خيبر (5) .
(1) الفتح 4/234.
(2) الطبقات 1/207.
(3) الدرر ص 92.
(4) صالح الشامي: أضواء على دارسة السيرة ص 87.
(5) د. سليمان السعود: أحاديث الهجرة ص 18.