فهرس الكتاب
وكانت تلك من دلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم - حيث صدق الواقع ذلك (1) ، ثم جاء بعد ذلك صلح الحديبة وعقد الهدنة على عدم القتال بين المسلمين والمشركين لمدة عشر سنوات، كما هو مشهور في كتب الحديث والسير، حينها التفت الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى مهاجرة الحبشة، وبعث في طلبهم، وقد وجدت لهذا الرأي ما يسنده.
يقول الزهري -يرحمه الله - فلما قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفار قريش،حالت الحرب بين مهاجرة أرض الحبشة وبين القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لقوه بالمدينة زمن الخندق (2) . وقرب من ذلك ذكر ابن عبد البر (3) .
فإذا تبين أن أصحاب القدمتين الأوليين وصل معظمهم قبل الأحزاب، بل شارك عدد منهم فب غزوة بدر، فهل يعني (الزهري) بقوله (زمن الخندق) من تخلف من أصحاب القدمة الثانية محبوسًا بمكة فلم يستطع اللحاق به - صلى الله عليه وسلم - إلا زمن الخندق؟
أم أنه يقصد بزمن الخندق ما بعد الخندق فيدخل فيه أصحاب القدمة الثالثة، إضافة إلى من تخلف محبوسًا بمكة؟
ولكن ذكر الزهري لأسماء بنت عميس رضي الله عنها - زوج جعفر - في الخبر نفسه، مرجح على أنه يقصد ما بعد الخندق.
ومع ذلك يبقى القول بعودة طائفة من مهاجرة الحبشة في زمن الخندق في حدود السنة الخامسة وقبل عودة جعفر ومن معه، له ما يعضده، فقد ذكره ابن عبد البر في معرض حديثه عن عودة جعفر وأصحابه عام خيبر فقال:"وقد أتى من مهاجرة الحبشة قبل ذلك بسنتين سائرهم، وكان هؤلاء آخر من بقي بها منهم" (4) .
كما قال ابن حزم إثر تعداده أسماء من قدم مع جعفر: (وقد أتى سائر مهاجرة الحبشة قبل ذلك بسنتين، وكان هؤلاء المذكرون آخر من بقي بها) (5) .
(1) ابن حجر: الفتح 7/405.
(2) المغازي النبوية ص 105.
(3) الدرر في اختصار المغازي والسير ص 92.
(4) الدرر في اختصار المغازي والسير ص 152.
(5) جوامع السيرة ص 218.