هذه قصتي أسردها اليوم وكلماتها أثقل من الحديد في فمي، ووقعها أشد من ضرب السياط في جسدي، وعارها ألصق شيء بعفتي وعفة أسرتي، لكنني أحببت أن أنقلها فتعيها الآذان المصغية وتستفيد منها النفوس الغافلة وإلا فعند غيري أكثر مما ذكرت لكنهم إما لم يعثروا عليها حتى الآن أو أن نفوسهم ضعفت عن الحديث بها، وها أنا أبرأ إلي الله وأخرج من جور المساءلة غدًا عند الله بذكر هذه الآثار ولا حجة بعد ذلك لمخلوق، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.
يا إمام الأخيار
إن المسجد في كل مكان هو الملتقي الإيماني الذي يلتقي فيه المسلمون كل يوم خمس مرات، لقًاء متجددًا في حياتهم، بل رتب الإسلام على تخلف الواحد منهم وعيدًا شديدًا لا عجب أن ترى أولئك الأخيار، ما إن ينطلق صوت المؤذن الله أكبر، إلا لامس شغاف القلوب، وقاموا كأنما يجترهم بقوة إلي تلك البقعة المباركة.
وهكذا كانت حياة الجيل الأول وصلت إلي أرقى معاني الإنسانية لأن إمامهم قدوة في كل شيء فبنى من تلك الجموع أنفسًا أبية وجمع تحت ظلال ذلك المسجد قلوبًا أخوية فضربت في التاريخ بأعظم مثال مر على الأمة في التاريخ، مع أن الأبنية التي كانت تظلهم في تلك المساجد أعوادٌ من الخشب لا تحميهم حتى من شعاع الشمس المحرقة.
لكن ذلك كان مجتمع أولئك الرجال بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، ففيه تصل العلاقة بالرب على أحسن حال فيزداد بذر الإيمان يومًا فيومًا حتى اشتد وقوي، فأصبح مضرب الأمثال.
ولم يكن غريبًا في ذلك الوقت بالذات من يخرج من أروقة المسجد ثم يقدم نفسه فدًاء لدين الله، يلتقون في المسجد حتى نمت بذرة الأخوة بينهم نماءً غير طبيعي، بفضل تلك التربية، تكافل ذلك المجتمع على مواساة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وتضميد جراح منكوبهم، حتى أصبح المجتمع ذاك أشبه ما يكون بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر.