الصفحة 179 من 249

? يروي لنا المطران «برتولومي دي لاس كازاس» وثائق إبادة الهنود الحمر في القارة الأمريكية على أيدي المسيحيين الأسبان، وهو شاهد عيان على ما ارتكبته مسيحيةُ عصره من فظائع ومذابح في القارة الأمريكية. وشهادته هذه فوق الشبهات؛ لأنّ أحدًا لا يستطيع أن يتهمه في دمه الإسباني، أو في دينه المسيحي. حتى الرهبان من رجال الدين الذين وصفهم أحد الزعماء الهنود بأنهم لا يعبدون إلا الذهب. وصفهم «لاس كازاس» بقوله: «كانوا يسمُّون المجازر عقابًا وتأديبًا لبسط الهيبة وترويع الناس. كانت هذه سياسة الاجتياح المسيحي: أول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية أو مدينة هو ارتكاب مجزرة مخيفة فيها.. مجزرة ترتجف منها أوصال هذه النعاج المرهفة» .

ثم يقول: ثَمَّة استهتار وطيش يتعاظمان في أنفس هؤلاء الذين يسفكون كل هذه الدماء، ويستأصلون هذه الأراضي الشاسعة من أهلها وأصحابها بقتل مليار من البشر، وبنهب الكنوز التي لا تقدر بأثمان. إنهم يحتالون بأساليب مختلفة من أجل أن تسمحوا لهم بالمضي في الفتوح التي لا يمكن السماح بها من غير الاعتداء على حرمات الله، واختراق القوانين الطبيعية، ومن غير اقتراف الخطايا المنكرة التي تستأهل العذاب الشديد.

إن الذين ذهبوا إلى هناك من أدعياء المسيحية: أبادوا الشعوب الهندية الوادعة، ومحوا ذكرها من وجه الأرض، إما بالاجتياحات الدموية المتوحشة، وإما باستعباد مَنْ تبقّى استعبادًا فظًا غليظًا شنيعًا، لم يشهد مثله البشر ولم تعرفه الدواب. أما من كان يحلم بالحرية أو يفكر فيها أو يحاول الخلاص من عذابه، كما يفعل ذلك كل إنسان: فمصيره القتل. إلى أنواع منوعة من الجور والطغيان الجهنمي والتخريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت