فهرس الكتاب
? يبدأ الإسلام أولًا بتصوير العلاقة البيتية تصويرًا رفافًا شفيفًا، يشع منه التعاطف، وترف فيه الظلال؛ ويشيع فيه الندى، ويفوح منه العبير:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً" [الروم:21] ،"هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ" [البقرة: 187] فهي صلة النفس بالنفس، وهي صلة السكن والقرار، وهي صلة المودة والرحمة، وهي صلة الستر والتجمل. وإنك لتحس في الألفاظ ذاتها حنوا ورفقًا، وتستروح من خلالها نداوة وظلًا. وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصلة التي يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني الرفيق الوثيق. ذلك في الوقت الذي يلحظ فيه أغراض ذلك الرباط كلها بما فيها امتداد الحياة بالأولاد، فيمنح هذه الأغراض كلها طابع النظافة والبراءة، ويعترف بطهارتها وجديتها، وينسق بين اتجاهاتها ومقتضياتها، ذلك حين يقول:"نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ" [البقرة: 223] . فيلحظ كذلك معنى الإخصاب والإكثار.
يحيط الإسلام هذه الخلية، أو هذا المحضن، أو هذه المثابة، بكل رعايته وبكل ضماناته. وحسب طبيعة الإسلام الكلية، فإنه لا يكتفي بالإشاعاتْ الروحية، بل يتبعها التنظيمات القانونية، والضمانات التشريعية.
فأولًا: لابد في هذا الارتباط من الرضى والاستئذان، فلا تزوج المرأة بغير إذنها ورضاها: «لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن وإذنها الصموت» (41) .
ولابد فيه من الرؤية ليكون هذا الرضى جديًا وقائمًا على حقيقة، ومنبعثًا من شعور: «فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (42) .
وثانيًا: لابد فيه من علانية وإشهاد، فلا يتم في السر والخفاء كما تتم الجريمة ، ولابد من إيجاب وقبول صريحين يشهد عليهما الشهود، فلا يبقى ظل من شك أو غموض في قيام هذا الارتباط، حتى ليستحب دق الدفوف لهذه المناسبة زيادة في الإعلان!