فهرس الكتاب
إنه مشهد ناطق بالبذل والجود، وأمارة تأسٍ بالرعيل الأول حين نرى صبيان المسلمين يحملون إلى جيرانهم هدية من أمهاتهم ولو كان شيئًا يسيرًا: طبقًا من طعام، أو قليلًا من فاكهة، فتفعل هذه الهدية أضعاف قيمتها من إشاعة روح الود والتراحم والشعور بالجسد الواحد، وفوق ذلك كله ثواب الله عز وجل.
وهاهي عائشة رضي الله عنها تدرك هذا المعنى فلا تجد إلا تمرة واحدة فتتصدق بها تقول -رضي الله عنها-:جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها فسألتني فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا ثم قامت فخرجت وابنتاها، فدخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثته حديثها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:»من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار» [1] .
وتتطلع أسماء -رضي الله عنها- لتحصيل أجر الصدقة وفضلها لكنها لا تجد ما تتصدق به إلا شيئًا من قوت بيتها، فتسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فعنها-رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، ما لي مال إلا ما أدخل عليَّ الزبير فأتصدق؟ قال: «تصدقي ولا توعي [2] فيوعى عليك» [3] .
وتُحدِّث -رضي الله عنها- عن نفسها فتقول: مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أحصي شيئًا وأكيله قال: «يا أسماء، لا تحصي فيحصي الله عليك» قالت: فما أحصيت شيئًا بعد قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندي ولا دخل علي، وما نفد عندي من رزق الله إلا أخلفه الله عز وجل [4] .
(1) رواه البخاري (5995) ومسلم (2629)
(2) معنى لاتوعي: لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل ذلك
(3) رواه البخاري (2590) ومسلم (1029)
(4) رواه أحمد (26430)