وحيث كان العلم بهذه المنزلة التي جعلته يفضل على نوافل العبادات، وجعلت فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، فقد كان لنساء الصحابة القدح المعلى وقصب السبق في ذلك، ومن صور عنايتهن بالتعلم مايلي:
1 -حفظ القرآن:
في وقت لم تكن الوسائل المتاحة أمام الناس تيسر لهم أسباب التعلم، فالقارئ والمتعلم للكتابة فيهم قليل، والمصحف ليس مهيأً مجموعًا للناس يحفظون ويقرؤون منه كما أرادوا، ناهيك عن أجهزة التسجيل التي كسرت حاجز الأمية وأتاحت استماع القرآن لكل الفئات والأعمار، وفي أي وقت يشاء المستمع.
لكن حين تعلو الهمة وترتفع العزيمة تهوي كل تلك الصعاب، وتزول كل تلك العقبات وغيرها، فلنر نموذجًا من عناية فتيات الصحابة بحفظ القرآن الكريم، وكيف يغتنمن الفرصة ويستثمرنها.
فعن بنت لحارثة بن النعمان قالت: ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بها كل جمعة قالت: وكان تنورنا وتنور رسول - صلى الله عليه وسلم - واحدًا [1] .
فأين فتياتنا اليوم من الاعتناء بحفظ القرآن الكريم وتعلمه، لاسيما وقد تيسرت السبل، وتعددت الوسائل ولم يبق لأحد عذر في التخلف؟
2 -السؤال عن العلم:
كانت بعض فتيات أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يستثمرن فرصة قربهن من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسألن عما يشكل عليهن من أمور الدين، وحين ترى إحداهن أمرًا لا تدرك وجهه ومأخذه تسأله - صلى الله عليه وسلم - عنه، وقد نُقلت لنا من عنايتهن -رضوان الله عليهن- بالسؤال أخبار عدة يضيق المقام عن استيعابها، وهذه طائفة منها:
عن فاطمة -رضي الله عنها- قالت دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكل عرقًا، فجاء بلال بالأذان، فقام ليصلي فأخذت بثوبه فقلت: يا أبه، ألا تتوضأ؟ فقال: «مم أتوضأ يا بنية؟» فقلت: مما مست النار، فقال لي: «أوليس أطيب طعامكم ما مسته النار؟» [2] .
(1) رواه مسلم (873)
(2) رواه أحمد (25879)