وها هو حبر الأمة ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - [1] ، ووصفه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بقوله:»ذاكم فتى الكهول، إن له لسانًا سؤولًا، وقلبًا عقولًا« [2]
3 -المراجعة والمناقشة:
والعلم عندهن - رضوان الله عليهن- لم يكن قاصرًا على مجرد الحفظ للأخبار والروايات، بل كان مقرونًا بالفهم والفقه، ولهذا حين يرد على إحداهن نص تعيه وتفهمه ثم تقوم بربطه بسائر النصوص الشرعية، وحين يبدو لديها لبس أو لا تفهم التوفيق بين هذه النصوص تراجع النبي - صلى الله عليه وسلم - وتناقشه في ذلك.
فعن حفصة -رضي الله عنها- قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرًا والحديبية» قالت: فقلت: أليس الله عز وجل يقول {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا } قال: فسمعته يقول {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [3] .
وتحفظ لنا السنة أيضًا موقفًا آخر لأم المؤمنين حفصة -رضي الله عنها- ترى أن ماسمعته منه - صلى الله عليه وسلم - قد يتعارض مع قاعدة شرعية مستقرة لديها فتسأله - صلى الله عليه وسلم - تجلية هذا الإشكال.
فعنها -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلًا من أهل مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم مثل ما أصابهم» فقلت: يارسول الله، فكيف بمن كان منهم مستكرهًا؟ قال: «يصيبهم كلهم ذلك ثم يبعث الله كل امرئ على نيته» [4] .
(1) سير أعلام النبلاء (3/344)
(2) رواه الحاكم (3/539-540) والطبراني وأبو نعيم.
(3) رواه أحمد (25901) وابن ماجه (4281)
(4) رواه أحمد (25919) والنسائي (2879) محتصرًا، وأصله في مسلم (2883) دون موضع الشاهد.