فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 127

والعلم لا يقف عند مجرد الحفظ والسؤال، بل لابد من الفقه والفهم؛ إذ هو الوسيلة لأن يتحول العلم إلى عمل ويبدو أثره على صاحبه، لذا فقد كان لشباب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - نصيب ورصيد من ذلك، سأل - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يومًا، فقال: « إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟» فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة، قال عبدالله: فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله، أخبرنا بها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هي النخلة» [1] .

وعن علي -رضي الله عنه- قال:بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، قال: فلما خرجوا قال: وجد عليهم في شيء فقال: قال لهم: أليس قد أمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تطيعوني؟ قال: قالوا: بلى، قال: فقال: اجمعوا حطبًا ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهمَّ القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا، قال: فرجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه فقال لهم: «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا إنما الطاعة في المعروف» [2] .

إن هذا الشاب مع فقهه وفهمه -رضي الله عنه- يضرب لنا مثلًا في التأني وعدم التعجل في إصدار الأحكام، وأن تكون مواقف المرء موزونة بميزان الشرع الدقيق، لقد تعارض لديه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بطاعة هذا الأمير، وكونه قد اتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - فرارًا من النار، فلم يقل لا نطيعه، إنما قال: لا تعجلوا حتى تلقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا.

(1) رواه البخاري ( 131 ) ومسلم (2811) .

(2) رواه أحمد 1/82 (624) وهو في الصحيحين دون موضع الشاهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت