فهرس الكتاب
ولئن كان من أسباب تميز هؤلاء بكثرة الرواية تأخر موتهم فهل هذا وحده هو السبب الأوحد؟. إننا حين ندرك أن الكثير من الصحابة غيرهم تأخر موتهم ومع ذلك لم تبلغ مروياتهم مبلغ هؤلاء، ندرك أن ثمت سببًا آخر يضاف لذلك ألا وهو عناية هؤلاء وحرصهم على السماع منه - صلى الله عليه وسلم - أو السماع ممن سمع منه من كبار الصحابة، ويتضح ذلك من خلال سيرتهم وحرصهم على تتبع أحواله - صلى الله عليه وسلم - .
الاجتهاد وتحمل المشاق:
العلم مطلب نفيس لا يستطال ولا يدرك براحة الجسد، وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا من أكثر الناس إدراكًا لهذه الحقيقة، وإليك هذا الشاهد من جلد وصبر حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- كما يروي ذلك بنفسه فيقول:-
لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي عليه السلام من ترى؟ فترك ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح علي التراب، فيخرج فيراني، فيقول:ياابن عم رسول الله، ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي، فقال: هذا الفتى أعقل مني [1] .
تعلم الإيمان:
عن جندب بن عبدالله -رضي الله عنه- قال كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن فتيان حزاورة [2] فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا [3] .
(1) رواه الطبراني كما في المجمع (9/277) وقال: رجاله رجال الصحيح
(2) الحَزَوَّر هو الغلام إذا اشتد وقوي وخدم، وهو الذي قارب البلوغ (اللسان 4/187)
(3) رواه ابن ماجه (61)