فهرس الكتاب
فهو يذكر لنا -رضي الله عنه- جانبًا مهمًا من جوانب التعلم التي قد غفل عنها كثير من طلبة العلم اليوم، فأهملوا تعلم الإيمان ومسائله، وشعروا أن العلم إنما يتمثل في تعلم مسائل الأحكام وحدها، والعناية بجمع آراء الرجال واختلافهم حول مثل هذه المسائل، ونسي أولئك أصل الأصول وأساس الأسس، لذا فلا نعجب حين ندرك هذا الخلل أن نرى عدم التوافق بين ما يحمله بعض الناس من العلم وبين سلوكه وسمته.
ولقد كان السلف -رضوان الله عليهم- يعنون بذلك فهاهو ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: «ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم خشية الله» [1] .
ومالك رحمه الله يقول: «العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء وليس بكثرة المسائل» [2] .
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء» ، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئه نساءنا وأبناءنا، فقال: «ثكلتك أمك يازياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم؟» قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، قال:قلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت أخبرتك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا [3] فهل يعد الخشوع اليوم علمًا؟
وقال عبد الأعلى التيمي:«من أوتي من العلم ما لايبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علمًا ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم قرأ القرآن {إن الذين أوتوا العلم... إلى قوله ... يبكون} (الإسراء: 107-109) [4] .
(1) جامع بيان العلم وفضله (2/52)
(2) جامع بيان العلم وفضله (2/52)
(3) رواه الدارمي (288)
(4) أخرجه الدارمي (291)