فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 127

لقد كان - صلى الله عليه وسلم - يولي أولئك الشباب اهتمامًا وعناية تليق بهم، ومن صور اهتمامه - صلى الله عليه وسلم - بهم إجابته لدعوتهم، فعن عبدالله بن بسر المازني -رضي الله عنهما- قال: «بعثني أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدعوه إلى الطعام، فجاء معي، فلما دنوت المنزل أسرعت فأعلمت أبوي... الحديث» [1] .

إن أمر بسر -رضي الله عنه- لولده بدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ناشئًا من قلة شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لديه بل كان نتيجة النظرة الطبيعية لابنه وهو في مثل هذا السن، وهاهو النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف للشاب قدره فيأتي معه، ويستجيب للدعوة.

والموقف يتكرر مع أبي طلحة وأنس بن مالك - رضي الله عنهما - فعن أنس -رضي الله عنه- أن أم سليم أمه عمدت إلى مد من شعير جشَّتْهُ وجعلت منه خطيفة وعصرت عكة عندها، ثم بعثتني إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتيته وهو في أصحابه فدعوته، قال: «ومن معي؟» فجئت فقلت: إنه يقول ومن معي، فخرج إليه أبو طلحة قال: يا رسول الله، إنما هو شيء صنعته أم سليم فدخل فجيء به وقال أدخل علي عشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال أدخل علي عشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال أدخل علي عشرة حتى عد أربعين، ثم أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قام فجعلت أنظر هل نقص منها شيء [2] .

لقد كانت البيئة التربوية تمارس أثرها الفعال في صنع تلك النفوس العالية السامقة، وكانت تترك آثارها واضحة على ذلك الجيل المبارك.

وهي وحدها لم تكن لتتولد منها هذه النظرة لو لم تصاحبها نفوس مستعدة ومتأهلة من أولئك الشباب، ولو لم تكشف التجارب والأحداث أنهم كانوا على مستوى المسئولية وما يراد منهم فعلًا.

(1) رواه أحمد 4/188 (17695)

(2) رواه البخاري (5450) ومسلم (2040)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت