فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 127

وسأل سعيد بن جبير ابن عباس -رضي الله عنهما-: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: «نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا: اللات والعزى إلهان من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداءً منهم بما يبلغون من جهدهم» [1] .

ولقد ضرب شبان الصحابة -رضوان الله عليهم- أروع الأمثلة في الثبات على البلاء وتحمل الشدائد في سبيل الله فهاهو سعيد بن زيد -رضي الله عنه- يقول: «والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر، ولو أن أحدا ارفض للذي صنعتم بعثمان لكان» [2] .

وهاهو شاب آخر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خباب بن الأرت -رضي الله عنه- يبلغ به الأذى والشدة كل مبلغ فيأتي للنبي - صلى الله عليه وسلم - شاكيًا له ما أصابه فيقول -رضي الله عنه-:أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة - فقلت:ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد مادون عظامه من لحم أوعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله» [3] .

وتبقى آثار البلاء على جسده -رضي الله عنه- إلى حين، إذ يقدم على عمر _رضي الله عنه_ فيقول له: «ادن فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار» ، فجعل خباب يريه آثارًا بظهره مما عذبه المشركون [4] .

(1) رواه ابن اسحاق، وصححه الحافظ في الإصابة والذهبي في السير

(2) رواه البخاري (3862)

(3) رواه البخاري (3852)

(4) رواه ابن ماجه (153) وانظر صحيح ابن ماجه (124)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت