والزركشي في ترجيحاته قد استند إلى دلالة الإجماع في حكايته , لا في ثبوته يقينًا , إذْ لو ثبت لما احتاج إلى التَّرجيح بين الأدلة ؛ إلاَّ أنَّ الإجماع المحكي عن العلماء مما يدعم القول ويرجِّحه .
ومن أمثلة ذلك ما ذكره في مسألة:"القراءة الشاذَّة"فقال:"المراد بها , والمعروف أنها ما وراء السبع , والصواب: ما وراء العشر , وهي ثلاثة أُخَر: يعقوب , وخلَفٌ , وأبو جعفر يزيد بن القعقاع , فالقول بأنَّ هذه الثلاثة غير متواترة ضعيف جدًا , وقد ذكر البغويُّ [1] في تفسيره [2] الإجماع على جواز القراءة بها" [3] .
وكذا في مسألة"ترجمة القرآن"قال:"لا يجوز ترجمة القرآن بالفارسية وغيرها ؛ بل يجب قراءته على هيئته التي يتعلق بها الإعجاز لتقصير الترجمة عنه [ حتى قال:] الخلاف المحكي عن أبي حنيفة في جواز قراءته بالفارسية لا يتحقق لعدم إمكان تصوره , على أنَّه قد صح عن أبي حنيفة الرجوع عن ذلك" [4] .
وقال -أيضًا-متحدثًا عن المسألة ذاتها في كتابه ( المنثور في القواعد ) "الترجمة بغير العربية أقسام: أحدها: ما يمتنع فيه قيام أحدهما مقام الآخر قطعًا للقادر والعاجز, وذلك ما المقصود منه الإعجاز, وهو القرآن , فيمتنع ترجمته بلغة أخرى بل يعدل للذكر , وهو إجماع . وما يُحكى عن أبي حنيفة - رحمه الله - من تجويزه قراءة القرآن بالفارسية صحَّ رجوعه عنه" [5] .
(1) الحسين بن مسعود بن محمد البغوي , أبو محمد الشافعي , يُعرف بابن الفرَّاء , إمام في التفسير , والحديث , والفقه , من مصنفاته: معالم التنزيل في التفسير , وشرح السنة , والمصابيح , مات سنة (516هـ) .
ينظر: طبقات المفسرين للسيوطي (49) , وطبقات المفسرين للداوودي (1/161) .
(2) ينظر: تفسير البغوي (معالم التنزيل) (38) .
(3) البحر المحيط (1/474) .
(4) البحر المحيط (1/447) ,
(5) المنثور في القواعد (1/164-166) . وينظر: إشارته لذلك في البرهان (2/96) .