فهرس الكتاب
أما قولهم بأن ذلك جائز عند الاضطرار إليه، استنادًا على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، فالجواب أن يقال بأن إتيان السحرة والكهان ومن هم على طريقتهم وسؤالهم والتداوي بأدويتهم ورقاهم ليس هو من باب الضرورات التي تستلزم إباحة المحظورات، كأكل الميتة مثلًا، لأن حكم التداوي ليس بواجب في أصل الشرع وإنما هو من الأمور المباحة والمشروعة كماهو قول جمهور أهل العلم، وإنما اختلفوا: هل الأفضل تركه أم فعله، أما الأكل من الميتة فهو واجب على من اضطُرَّ إليه لأن حاجته لا تندفع إلا به قطعًا، وليس له عنه عِوَض، أما المسحور فله عن إتيان السحرة والتداوي بأدويتهم عِوَض، وهو التداوي بما شرعه الله له، فلا يقاس هذا بهذا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) : والذين جوزوا التداوي بالمحرم قاسوا ذلك على إباحة المحرمات كالميتة والدم للمضطر، وهذا ضعيف لوجوه:
أحدها: أن المضطر يحصل مقصوده يقينًا بتناول المحرمات، فإنه إذا أكلها سدت رمقه، وأزالت ضرورته، وأما الخبائث بل وغيرها فلا يتيقن حصول الشفاء بها، فما أكثر من يتداوى ولا يُشفى، ولهذا أباحوا دفع دفع الغصة بالخمر لحصول المقصود بها، وتعينها له، بخلاف شربها للعطش، فقد تنازعوا فيه، فإنهم قالوا: إنها لا تروي.