الصفحة 266 من 651

أ- الاحتجاج بالخبر: أما الخبر فقوله عليه السلام: (رحم الله أخي زكريا ما كان له من يرثه) [1] . وظاهره يدل على أن المراد إرث المال [2] .

وتعقب الحافظ ابن حجر هذا الخبر قائلًا:"وعلى تقدير تسليم القول المذكور، فلا معارض من القرآن لقول نبينا - صلى الله عليه وسلم -: (لا نورث ما تركنا صدقة) فيكون ذلك من خصائصه التي أُكرم بها" [3] .

وفي هذا الشأن نقل القرطبي عن النحاس أنه قال في معنى هذه الآية:"للعلماء فيها ثلاثة أجوبة قيل: هي وراثة نبوة، وقيل: هي وراثة حكمة، وقيل: هي وراثة مال."

فأما قولهم وراثة نبوة فمحال؛ لأن النبوة لا تورث ولو كانت تورث لقال قائل: الناس ينتسبون إلى نوح عليه السلام، وهو نبي مرسل.

ووراثة العلم والحكمة مذهب حسن، وفي الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء) .

وأما وراثة المال فلا يمتنع، وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا نورث ما تركنا صدقة) .

فهذا لا حجة فيه؛ لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجمع، وقد يؤول هذا بمعنى: لا نورث الذي تركناه صدقة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخلّف شيئًا يورث عنه" [4] ."

ب- الاحتجاج بالمعقول:

وذلك كما عرضه الفخر الرازي من وجهين:

الأول: أن العلم والسيرة والنبوة لا تورث، بل لا تحصل إلا بالاكتساب فوجب حمله على المال.

الثاني: أنه قال: { وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا } [مريم: 6] ولو كان المراد من الإرث إرث النبوة؛ لكان قد سأل جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - رضيًا وهو غير جائز؛ لأن النبي لا يكون إلا رضيًا معصومًا.

(1) أخرجه الطبري في تفسيره (8/308، 23499-23501) ، من طرق عبد الحسن وقتادة مرسلًا، قال ابن كثير (3/112) :"وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح".

(2) انظر التفسير الكبير (21/184) .

(3) فتح الباري (12/8-9) .

(4) تفسير القرطبي (11/81) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت