أ- الاحتجاج بالخبر: أما الخبر فقوله عليه السلام: (رحم الله أخي زكريا ما كان له من يرثه) [1] . وظاهره يدل على أن المراد إرث المال [2] .
وتعقب الحافظ ابن حجر هذا الخبر قائلًا:"وعلى تقدير تسليم القول المذكور، فلا معارض من القرآن لقول نبينا - صلى الله عليه وسلم -: (لا نورث ما تركنا صدقة) فيكون ذلك من خصائصه التي أُكرم بها" [3] .
وفي هذا الشأن نقل القرطبي عن النحاس أنه قال في معنى هذه الآية:"للعلماء فيها ثلاثة أجوبة قيل: هي وراثة نبوة، وقيل: هي وراثة حكمة، وقيل: هي وراثة مال."
فأما قولهم وراثة نبوة فمحال؛ لأن النبوة لا تورث ولو كانت تورث لقال قائل: الناس ينتسبون إلى نوح عليه السلام، وهو نبي مرسل.
ووراثة العلم والحكمة مذهب حسن، وفي الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء) .
وأما وراثة المال فلا يمتنع، وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا نورث ما تركنا صدقة) .
فهذا لا حجة فيه؛ لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجمع، وقد يؤول هذا بمعنى: لا نورث الذي تركناه صدقة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخلّف شيئًا يورث عنه" [4] ."
ب- الاحتجاج بالمعقول:
وذلك كما عرضه الفخر الرازي من وجهين:
الأول: أن العلم والسيرة والنبوة لا تورث، بل لا تحصل إلا بالاكتساب فوجب حمله على المال.
الثاني: أنه قال: { وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا } [مريم: 6] ولو كان المراد من الإرث إرث النبوة؛ لكان قد سأل جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - رضيًا وهو غير جائز؛ لأن النبي لا يكون إلا رضيًا معصومًا.
(1) أخرجه الطبري في تفسيره (8/308، 23499-23501) ، من طرق عبد الحسن وقتادة مرسلًا، قال ابن كثير (3/112) :"وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح".
(2) انظر التفسير الكبير (21/184) .
(3) فتح الباري (12/8-9) .
(4) تفسير القرطبي (11/81) .