قال ابن القيم في (زاد المعاد) :"في (الصحيحين) عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في القمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما، أو وجع كان بهما [1] ."
هذا الحديث يتعلق به أمران: أحدهما: فقهي، والآخر طبي.
فأما الفقهي: فالذي عليه سنته - صلى الله عليه وسلم - إباحة الحرير للنساء مطلقًا، وتحريمه على الرجال إلا لحاجة ومصلحة راجحة، فالحاجة إما من شدة البرد، ولا يجد غيره، أو لا يجد سترة سواه، ومنها لباسه للجرب، والمرض، والحكة وكثرة القمل كما دل عليه حديث أنس الصحيح.
والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وأصح قولي الشافعي؛ إذ الأصل عدم التخصيص، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى تعدت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه.
ومن منع منه، قال: أحاديث التحريم عامة، وأحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف والزبير ويحتمل تعديها إلى غيرهما وإذا احتمل الأمران كان الأخذ بالعموم أولى ولهذا قال الرواة في هذا الحديث:فلا أدري أبلغت الرخصة من بعدهما أم لا؟
والصحيح: عموم الرخصة، فإنه عُرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يُصرِّحْ بالتخصيص وعدم إلحاق غير من رخَّص له أولًا به، كقوله لأبي بُردة في تضحيته بالجذعة من المَعْز: (تَجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك) [2] ، وكقوله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في نكاح من وهبت نفسها له: { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } .
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: الحرير في الحرب (2919) ، ومسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكة أو نحوها (2076) .
(2) أخرجه البخاري في كتاب:العيدين، باب: التكبير للعيد (968) ومسلم في كتاب: الأضاحي باب: وقتها (1961)