فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله، إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويَجمِلون منها الودك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (وما ذاك؟) . قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفَّت، فكلوا وادخروا وتصدقوا) [1] .
الترجيح:
الراجح في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن النهي في هذه الأحاديث منسوخ لصريح أحاديث الإباحة.
قال النووي - رحمه الله:"والصحيح نسخ النهي مطلقًا وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث، والأكل إلى متى شاء، لصريح حديث بريدة وغيره. والله أعلم" [2] .
بل إن ابن عبد البر حكى الإجماع على نسخ النهي عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال:"وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين" [3] .
وقال الشوكاني:"وقد أُجمع على جواز الأكل والادخار بعد الثلاث من بعد عصر المخالفين في ذلك، ولا أعلم أحدًا بعدهم ذهب إلى ما ذهبوا إليه" [4] .
قال الإمام أحمد:"أما عليّ وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كانوا سمعوا النهي فرووا على ما سمعوا" [5] .
وقال الشافعي:"من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة. ومن قال بالرخصة مطلقًا لم يسمع النهي عن الادخار. ومن قال بالنهي والرخصة سمعهما جميعًا فعمل بمقتضاهما" [6] .
* الخلاصة:
أنه لا تعارض بين عموم الآية وما ورد من الأحاديث الدالة على النهي لما ذكرنا من أنها منسوخة بالأحاديث الأخرى الصحيحة الصريحة.
وبهذا يزول إيهام التعارض بين ظاهر الآية والحديثين .
والله أعلم.
(1) أخرجه مسلم في كتاب: الأضاحي، باب: بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام (1971) .
(2) المصدر السابق.
(3) الاستذكار (15/173) .
(4) نيل الأوطار (3/496)
(5) المغني (13/381) .
(6) الجامع لأحكام القرآن (12/47)