قال الحافظ بن كثير:"قوله: { وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ } كقوله: { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ } وهذا مما رجع عنه إبراهيم عليه السلام- كما قال تعالى: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } ."
وقد قطع تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه، فقال تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } .
وقوله: { وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } أي أجرني من الخزي يوم القيامة ويوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم"ا هـ [1] ."
قال الطاهر بن عاشور: وسأل المغفرة لأبيه قبل سؤال أن لا يخزيه الله يوم القيامة؛ لأنه أراد أن لا يلحقه يومئذِ شيء ينكسر منه خاطره، وقد اجتهد في العمل المبلغ لذلك واستعان الله على ذلك، وما بقيت له حزازة إلا حزازة كفر أبيه فسأل المغفرة له؛ لأنه إذا جيء بأبيه مع الضالين لحقه انكسار ولو كان قد استجيب له بقية دعواته، فكان هذا آخر شيء تخوف منه لحاق مهانة نفسية من جهة أصله لا من جهة ذاته
(1) تفسير ابن كثير (10/253- 254) .