ثم قال:"أمَّا الاستعارات والتشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحد، وتجاوزت المعتاد، فبذلك يضرب الملك الموكل بالرؤيا المثل، وقد أنشد كعب بن زهير [1] النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -:"
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيمٌ إِثرها لم يَفد مَكبولُ
وما سعادُ غداةَ البَينِ إذ رَحَلوا ... إلا أغنَُّ غضيضُ الطرفِ مَكحُولُ
تجلوا عوارضَ ذي ظلمٍ إذا ابتسمت ... كأنَّه مُنهَلٌ بالراحِ معلولُ [2]
فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع. والنبي - صلى الله عليه وسلم - يسمعُ ولا يُنكر حتى في تشبيه ريقها بالرَّاح.
وقد كانت حُرّمت قبل إنشاده لهذه القصيدة، ولكن تحريمها لم يَمْنَع عندهم طِيبَها؛ بل تركوها على الرغبة فيها والاستحسان لها؛ فكان ذلك أعظم لأجورهم، ومن الناس قليلٌ من يتركها استقذارًا لها، وإنها لأهلٌ لذلك عندي، وإني لأعجب من الناس في تلذذهم بها واستطابتهم لها، والله ما هي إلا قذرة بشعة كريهة من كل وجه، والله يعصم من المعاصي بعزته.
(1) كعب بن زهير بن أبي سلمى. قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافه من الطائف، فأنشده قصيدته التي أولها:
... بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. وأثنى فيها على المهاجرين، وكان شاعرًا مجودًا مقدمًا في طبقته.
... انظر: الاستيعاب (628) رقم (2186) .
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/579-583) وقال:"هذا حديث له أسانيد قد جمعها إبراهيم بن المنذر الحزامي، فأمَّا حديث محمد بن فليح عن موسى بن عقبة، وحديث الحجاج بن ذي الرقيبة فإنهما صحيحين، ووافقه الذهبي، وأخرجه كذلك البيهقي في سننه كتاب: الشهادات، باب: من شبب فلم يُسم أحدًا لم ترد شهادته (10/243-244) ."