-فأما من قدّم الكتاب فمتعلقه قول معاذ إذ قال:"أحكم بكتاب الله - فان لم أجد فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فان لم أجد أجتهد رأيي".
واشتهر في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الابتداء بالكتاب ثم طلب السنة إن لم يجدوا متعلقًا من الكتاب.
-ومن قدّم السنة احتج بأن السنة هي المفسرة للكتاب وإليها الرجوع في بيان مجملات الكتاب وتخصيص ظواهره و تفصيل مجمله"."
-ثم قال:"والصحيح عندنا: الحكم بعدم التعارض فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقول من تلقاء نفسه شيئًا وكل ما كان يقول فمستنده أمر الله تعالى وما ذكره معاذ رضي الله عنه فمعناه: أن ما يوجد فيه نصٌ من كتاب الله تعالى فلا يتوقع فيه خبر يخالفه فمبنى الأمر فيه على تقديم الكتاب ثم آي الكتاب لا تشتمل على بيان الأحكام - والأخبار أعم وجودا منها أي من الأحكام". ا.هـ [1]
* ومن كلام صاحب"البرهان"هنا نستخلص الآتي:
1-أن الحكم على النصوص لا يكون بمجرد وجود عدم التوافق والتطابق في الألفاظ فقط، وإلا فمستند الكتاب في توضيح مبهماته وتقييد مطلقه وتخصيص عامّه لا يكون إلا الكتاب وكذلك مستند السنة لا يكون إلا السنة ولم يقل أحد من العلماء بهذا.
2-أن تقديم الكتاب على السنة أو العكس لا يكون هو المخلص الوحيد من وجود التعارض بل لا بد من البحث عن أسباب أخرى خصوصًا إذا اتفق الجميع على أن القرآن
والسنة وحيان من الله تعالى كما عرفت سابقًا.
3-الواجب بعد الاعتراف بوجود التعارض هو البحث عن أسبابه ومن ثمّ مسالك العلماء نحو إزالته ثم استخلاص الحكم من النصوص لا قبل إزالة التعارض حيث إن الكتاب والسنة نزلا يصدق بعضهما بعضًا لا ليكذبَه.
*هذا وقد جعلت ماجعله العلماء من هذه الأسباب على هيئة مطالب تحت كل مطلب سبب على وجه البيان:
المطلب الأول: توهم ثبوت القراءة
(1) البرهان في أصول الفقه لأبي المعالي الجويني ( 2/770-771 ) بتصرف يسير.