مسالك العلماء لدفع إيهام ذلك التعارض:
لقد سلك العلماء لدفع إيهام ذلك التعارض مسلكي الجمع والنسخ:
أولًا: مسلك الجمع:
وقد تنوعت طرق العلماء ومناحيهم في الجمع بين آية سورة النجم وحديث مسلم (إذا مات الإنسان...) الحديث، ويمكننا حصر أقوالهم في الآتي:
القول الأول: منهم من قال إن المراد بالإنسان في آية سورة النجم هو الإنسان الكافر وعليه فإن الإنسان المؤمن له سعيه من عمله وله ما سُعي له فيه من عمل غيره.
-قال القرطبي:"وقال الربيع بن أنس { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } يعني الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره ."ا0هـ [1] .
-قلت: وعلى هذا القول تكون الآية محكمة لم يدخلها نسخ فهي إذًا من الأخبار المحضة والأخبار المحضة لانسخ فيها - إذ النسخ في الأحكام وقد يدخل الأخبار التي بمعنى الإنشاء.
-قال البغوي:"وقيل ليس للكافر من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير 0"
-ويروى أن عبد الله بن أبيّ كان أعطى العباسَ قميصا ًألبسه إياه فلما مات أرسل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه ليكفنه فيه فلم يبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها."ا0هـ [2] ."
القول الثاني: ومنهم من قال بأن هذه الآية هي مما ورد في صحف إبراهيم وموسى في أنه لا يجازى الإنسان إلا بعمله هو وسعيه - وأما في شريعتنا فله ما سعى وماسعى له غيره0
قال صاحب فتح القدير:" { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } عطف على قوله"
{ أَلَّا تَزِرُ } وهذا أيضا مما في صحف موسى والمعنى: ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله ولا ينفع أحدا عمل أحدٍ وهذا العموم مخصوص بمثل قوله: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } .
(1) تفسير القرطبي (17 /114) ، وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية (2 /205)
(2) تفسير البغوي (7 /416-417) وانظر تفسير الآلوسي (20 /20) .