لقد سلك العلماء لدفع إيهام ذلك التعارض مسلك الجمع وذلك من وجوه:
الوجه الأول: قال بعضهم: إن المراد من الآية هو الإخبار عما سيكون يوم القيامة بين المرء وعشيرته يدل عليه قوله تعالى بعده: { لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [عبس: 37] - وأما الحديث فالمراد بالتفريق المنهي عنه في سبايا الحروب لا على العموم .
قال: صاحب تحفة الأحوذي:"قوله (من فرق بين والدة وولدها) أي بما يزيل الملك فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة."
قال المناوي: التفريق بين أمة وولدها بنحو بيع حرام قبل التمييز عند الشافعي وقبل البلوغ عند أبي حنيفة ."ا. هـ [1] ."
قلت: ولذا بوب أبو عيسى الترمذيُّ هذا الحديث في"سننه"تحت عنوان (باب في كراهية التفريق بين السبي) وقال بعد ذكره الحديث:
"والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم كرهوا التفريق بين السبي بين الوالدة وولدها وبين الولد والوالد وبين الإخوة" [2] .
-فالتفريق بين الأم وولدها بنحو البيع أو الهبة حرام شديد التحريم عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك شرط كونه قبل التمييز عند الشافعي وقبل البلوغ عند أبي حنيفة وكذا مالك في رواية ابن غانم عنه وفي رواية عنه قبل أن يثغر وسواء رضيت الأم أم لا عند الشافعي- وقال مالك يجوز برضاها- وذهب بعض الأئمة إلى منع التفريق بينهما مطلقا وقال: كما قال ابن العربي:
"- إنه ظاهر الحديث لأنه لم يفرق بين الوالدة وولدها بلفظ بيّن". ا0هـ [3] .
الوجه الثاني: ومنهم من قال: إن الفرار المذكور في الآية هو فرار التبرؤ وليس معناه التفريق الذي هو جزء من العذاب على من كذب وتولى فقد يقع التفريق بعد ذلك أي بعد هذا الفرار لبعض دون بعض.
(1) تحفة الأحوذي (5 / 154) ، وانظر عون المعبود (7 / 259) .
(2) سنن الترمذي (4 / 134) .
(3) انظر فيض القدير (6 / 242 - 243) ، ومرقاة المفاتيح (6 / 481) .