فهرس الكتاب
ولقد كانت دعوة المسيح عليه السلام كما ورد في بعض الآثار، وكما تضافرت عليه أقوال المؤرخين -تقوم على الزهادة والأخذ من أسباب الحياة بأقل قسط يكفى لأن تقوم عليه الحياة، وكان يحث على الإيمان باليوم الآخر ، واعتبار الحياة الآخرة الغاية السامية لبني الإنسان في الدنيا، إذ الدنيا ليست إلا طريقا غايته الآخرة، وابتداء نهايته تلك الحياة الأبدية .
ولماذا كانت دعوة المسيح -عليه السلام- إلى الزهادة في الدنيا، والابتعاد عن أسباب النزاع، والعكوف على الحياة الروحية ؟
الجواب عن ذلك: أن اليهود الذين جاء المسيح مبشرا بهذه الديانة بينهم كان يغلب عليهم النزاعات المادية، وكان منهم من يفهم أن الحياة الدنيا هي غاية بني الإنسان، بل إن التوراة التي بأيديهم اليوم خلت من ذكر اليوم الآخر، ونعيمه أو جحيمه، ومن فرقهم من كان يعتقد أن عقاب الله الذي أوعد به العاصين وثوابه الذي وعد به المتقين , إنما زمانه في الدنيا لا في الآخرة .
كما كانت دعوة المسيح -عليه السلام- تحارب اتجاهين تأصلا عند اليهود، هما:
1-شغفهم بالمادة وإهمالهم الناحية الروحية فيهم .
2-ادعاؤهم أنهم شعب الله المختار ، وادعاء أحبارهم الصلة بين الله والناس، وبدونهم لا تتم الصلة بين الخالق والمخلوق .
ولشد ما كان ارتياع اليهود وغضبهم عندما شهدوا يسوع يكتسح أمامه كل ما يعتزون به من ضمانات، إذ يعلم الناس أن الله ليس من المساومين، وأن ليس هناك شعب مختار، وأن لا أحظياء في مملكة السماء، وأن الله هو الأب المحب لكل الأحياء، وأنه لا يخص جنسا برعاية، فالخلق عنده سواء .