فهرس الكتاب
إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة. إلى الحياة المولية. إلى الجيل الذاهب! ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف، وتتلفت إلى الآباء والأمهات.
إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد. إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات. وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر؛ كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين فإذا هما شيخوخة فانية إن أمهلهما الأجل وهما مع ذلك سعيدان!
فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله، ويندفعون بدورهم إلى الأمام. إلى الزوجات والذرية. . وهكذا تندفع الحياة.
ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء. إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقة كله حتى أدركه الجفاف!
وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله.
ثم يأخذ السياق في تظليل الجو كله بأرق الظلال؛ وفي استجاشة الوجدان بذكريات الطفولة ومشاعر الحب والعطف والحنان:
{إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} . . والكبر له جلاله، وضعف الكبر له إيحاؤه؛ وكلمة {عندك} تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف. . {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق، وما يشي بالإهانة وسوء الأدب. . {وقل لهما قولًا كريمًا} وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما بشيء بالإكرام والاحترام. . {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} وهنا يشف التعبير ويلطف، ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان. فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينًا، ولا يرفض أمرًا. وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانًا بالسلام والاستسلام.
{وقل: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} فهي الذكرى الحانية. ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الولدان، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان. وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما فرحمة الله أوسع، ورعاية الله أشمل، وجناب الله أرحب. وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء اهـ
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه و سلم في الجهاد معه، فقال النبي صلى الله عليه و سلم أحي والداك؟ قال نعم قال ففيهما فجاهد مخرج في الصحيحين، فانظر كيف فضل بر الوالدين و خدمتهما على الجهاد!
و في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله و عقوق الوالدين فانظر كيف قرن الإساءة إليهما و عدم البر و الإحسان بالإشراك