لا يقل حال التوحيد عند النصارى عن حال اليهود من الشرك والكفر والضلال المبين , فقد غالوا في دينهم وقالوا في المسيح وأمه قولًا عظيما و تناول الأتباع بعد عيسي عليه السلام الإنجيل بالتحريف والزيادة حتى أصبح أربعة أناجيل يناقض بعضها بعضا. وصارت الكنيسة هي المهيمنة المتسلطة فقالوا: أن المسيح الإله انقلب فأصبح إنسانا وعاش مع الناس كواحد منهم ش و قتل بيد اليهود أحفاد القردة والخنازير ودفن , ثم خرج من قبره وصعد للسماء , وقد احتمل هذه الآلام لينقذ البشرية من الخطيئة التي ارتكبها أبوه آدم , لأن المسيح حسب اعتقادهم له شخصيتان: اللاهوت والناسوت , أي إلهية وإنسانية , وكل هذا غلو يتبرأ منه نبي الله عيسي يوم القيامة.
قال تعالي (يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ إنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ وكَفَى بِاللَّهِ وكِيلًا) النساء /171
قال ابن كثير في تفسيره:"أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية, كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله, وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم, شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا,.اهـ"
وقال الشاطبي"في الاعتصام 1/ 103":
فزعموا في الإله الحق ما زعموا من الباطل، بناء على دليل عندهم متشابه في نفس الأمر حسبما ذكره أهل السير، فتاهوا بالشبهة عن الحق، لتركهم الواضحات، وميلهم إلى المتشابهات، كما أخبر الله تعالى في آية آل عمران، فلذلك قال تعالى:"قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل"وهم النصارى اهـ
والحاصل أن التوحيد عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى فيه غلو وباطل فأستحق اليهود الغضب و اللعن من الله تعالي وضل النصاري عن التوحيد الحق.
-قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه"أقتضاء الصراط المستقيم"- (1/ 67) :
كفر اليهود أصله عدم العمل بالعلم، وكفر النصارى أصله عملهم بلا علم
وجماع ذلك: أن كفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملًا، أو لا قولا ً ولا عملًا. وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون , ولهذا كان السلف: سفيان بن عيينة وغيره، يقولون: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود! ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى اهـ
* التوحيد درة تاج الإسلام:
وبعد أن بينا حال التوحيد عند اليهود والنصارى وأدركنا ماهم فيه من شرك يتبين لنا جليا أن الإسلام هو الدين الوحيد من الأديان السماوية التي ظل محافظا علي خلو التوحيد من شوائب الشرك والكفر وإن ضل بعض القوم