الصفحة 32 من 73

الأمر الأوَّل:

أن لا يحاكم الباحثُ الأئمةَ والنقادَ المتقدمين على ضوء معلوماته ومعارفه التي استمدها من بعض الكتب المتأخرة والتي قد تخالف بعض مصطلحات الأئمة المتقدمين وعباراتهم، فيعمد إلى تغليط الأئمة في مصطلحاتهم فيفوّت على نفسِهِ علمًا كثيرًا، من ذلك مثلًا لفظة (مرسل) معناها عند المتأخرين: ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكنَّ الأئمة المتقدمين يوسعون معناها بحيثُ تشمل الانقطاع؛ من ذلك مثلًا قول ابن أبي حاتم-رحمة الله عليه- في كتاب العلل: (( سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيث رَوَاهُ الفِرْيابِيُّ، عَنْ عُمَر بنِ رَاشِد، عَنْ يَحْيَى بنِ إِسْحَاقَ بنِ عَبْد اللّه بنِ أَبِي طَلْحة، عَنْ الْبَرَاء، عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْرِّبَا اثنان وسَبْعُون بَابَا، أدناها مِثْلُ إتيانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ ) )، قَالَ أَبِي: هو مرسل، لم يدرك يَحْيَى بنُ إِسْحَاق الْبَرَاء، و لا أدرك والدُهُ الْبَرَاء )) [1] .

ومن ذلك أيضًا لفظة (حسن) قَالَ ابنُ حَجَر -تعليقًا على قول العراقيّ: وقد وُجد التعبير بالحسن في كلام الشيوخ الطبقة التي قبل الترمذي كالشافعي-: (( أقول: قد وُجد التعبير بالحسنِ في كلامِ مَنْ هو أقدم من الشافعي، قَالَ إبراهيمُ النخعيّ: كانوا إذا اجتمعوا كرهوا أنْ يخرجَ الرجلُ حسانَ حديثه، وقيل لشعبة: كيفَ تركتَ أحاديثَ العرزميّ وهي حسانٌ؟ قَالَ: مِنْ حسنها فررت.

ووُجد"هذا من أحسن الأحاديث إسنادًا"في كلام علي بن المديني وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم ويعقوب بن شيبة وجماعة، لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي، ومنهم من لا يريده، فأما ما وجد في ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الاصطلاحي، بل ظاهر عبارتهم خلاف ذلك )) [2] .

(1) العلل (1/ 381 رقم1136) ، وانظر أيضًا المسألة رقم (1184) .

(2) النّكت على كتاب ابنِ الصّلاح (1/ 424) .

وللأخ الدكتور: خالد الدريس دراسةٌ معمقةٌ حول مصطلح الحسن بنوعيه في رسالته العلمية-دكتوراه-"آراء المحدثين في الحديث الحسن لذاته ولغيره"قال في خاتمتها: (( 1 - استعمل المحدثون مسمى(الحسن) لأغراض متعددة , وتنوعت معانيه التفصيلية عندهم ولكن كل تحسيناتهم لا تخرج عن أحد أمرين:

أ تحسين احتجاجي: وهو استحسان الحديث لقوته ويدخل في ذلك الصحيح والحسن لذاته وحديث الراوي المختلف فيه , والحديث الذي فيه ضعف محتمل, والحديث الضعيف المعتضد بمثله.

ب تحسين إعجابي: وهو استحسان الحديث لميزة فيه , ويدخل في ذلك: الحديث الغريب والحديث المتضمن فائدة في الإسناد أو المتن , والإسناد العالي , وحسن المتن.

2 -استعمل المحدثون الحسن في بواكير ظهوره كثيرًا بمعنى الحسن الإعجابي , وَكَانَ هذا الاستعمال أسبق في الظهور من الحسن الاحتجاجي

3 -استعمل الحسن وأطلق على الحديث الصحيح عند الشافعي وابن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ويعقوب بن شيبة وغيرهم

4 -ظهر لي من دراستي لمصطلح الحسن عند الأئمة النقاد قبل الترمذي تنوع استعمالاتهم له , ويظهر لي من حيث العموم أنهم استعملوه بغرض عام ولم يكن لديهم تعريف محدد دقيق له , ويظهر لي أنهم كانوا يعنون به القبول العام, فهو أشبه ما يكون بمصطلح صالح عند أبي داود, إذ صرح أنه ينطوي تحته الصحيح وما يشبهه وما يقاربه وما ليس فيه ضعف شديد )) انظر (3/ 1308) ، وقد توسع في بيان هذا بشواهده في (1/ 495) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت