الصفحة 34 من 73

وابنُ المديني يشترط أكثر من ذلك، فإنه يقولُ فيمن يروي عنه ابن أبي كثير وزيد بن أسلم معًا: أنه مجهول، ويقول فيمن يروي عنه شعبة وحده: إنه مجهول، وَقَالَ فيمن يروي عنه ابن المبارك ووكيع وعاصم: هو معروف. وَقَالَ فيمن روى عنه عبد الحميد بن جعفر وابن ليهعة: ليس بالمشهو. وَقَالَ فيمن يروي عنه المقبري وزيد بن أسلم: معروف. وَقَالَ في يُسيع الحضرمي: معروف. وَقَالَ مرة أخرى: مجهول روى عنه ذَرٌ وحده. وَقَالَ فيمن روى عنه مالك وابن عيينة: معروف.

وقد قسم المجهولين من شيوخ أبي إسحاق إلى طبقات متعددة، والظاهر أنه ينظر إلى اشتهار الرجل بين العلماء، وكثرة حديثه ونحو ذلك، لا ينظر إلى مجرد رواية الجماعة عنه. وَقَالَ في داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص: ليس بالمشهور، مع أنه روى عنه جماعة.

وكذا قَالَ أبو حاتم الرازي في إسحاق بن أسيد الخراساني: ليس بالمشهور، مع أنه روى عنه جماعة من المصريين لكنه لم يشتهر حديثه بين العلماء، وكذا قَالَ أحمد في حصين بن عبد الرحمن الحارثي: ليس يعرف ما روى عنه غير حجاج بن أرطأة وإسماعيل بن أبي خالد روى عنه حديثًا واحدًا. وَقَالَ في عبد الرحمن بن وعلة: إنه مجهول، مع أنه روى عنه جماعة، لكن مراده أنه لم يشتهر حديثه ولم ينتشر بين العلماء، وقد صحح حديث بعض من روى عنه واحد ولم يجعله مجهولًا، قَالَ في خالد بن سمير: لا أعلم عنه أحد سوى الأسود بن شيبان ولكنه حسن الحديث. وَقَالَ مرة أخرى: حديثه عندي صحيح.

وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة، إنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات )) [1] .

الأمر الثاني:

إتباعُ الأئمةِ المتقدمين في تعليلهم للأخبار، وعدم التسرع في الرد عليهم، وهذا من باب الإتباع المحمود لا التقليد المذموم، قَالَ ابنُ رَجَب: (( قاعدةٌ مهمةٌ: حذّاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال، وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أنَّ هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنما يرجع فيه إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا

(1) شرح عِلَل الترمذي (1/ 377 - 380) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت