الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة: إذا اختلف الصحابة فيما بينهم، ووجد قولان أو ثلاثة، كما كان في مسألة ميراث الإخوة الأشقاء أو لأب مع أبي الأب، فإنهم اختلفوا في ذلك على أحوال، فأبو بكر، رضي الله عنه، اعتبر أبا الأب كالأب يحجب الإخوة، وزيد بن ثابت، رضي الله عنه، اعتبره كأخ بشرط ألا يقل عن الثلث، وعلي، رضي الله عنه، اعتبره كالأخ بشرط ألا يقل عن السدس، وهكذا (1) .
كان الإمام أحمد يتخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول.
قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله: قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال: يفتي. مما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه؛ قيل له: أفيجاب عليه؟ قيل: لا (2) .
قال الشيخ أبو زهرة (3) : وهناك رواية ثالثة عن أحمد، وهي أنه إذا اختلف الصحابة لا يتخير من أول الأمر من بين الأقوال أقربها إلى النصوص، بل يرجح أولًا أقوال الخلفاء، وقد ذكر هذه الرواية ابن القيم إذ قال (4) : إذا قال الصحابي قولًا، فإما أن يخالفه صحابي آخر أو لا يخالفه، فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وإن خالفه أعلم منه، كما إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم، فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين؟ فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء أو بعضهم أرجح وأولى أن يؤخذ به عن الشق الآخر، فإن كان الأربعة في شق، فلا شك أنه
ـــــــــــــ
(1) ابن حنبل 246.
(2) أعلام الموقعين 1: 31، والمدخل 116.
(3) ابن حنبل 247.
(4) أعلام الموقعين 4: 104.