نص عليه، رحمه الله، في رواية الأثرم؛ قال: إذا قال الرجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمه، فالحديث صحيح، قيل له: فإن قال برفع الحديث فهو عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأي شيء.
ونقل الميموني أيضًا: كان يعجب أبو عبد الله، رضي الله عنه، ممن يكنب الإسناد ويدع المنقطع، وقال: ربما كان المنقطع أقوى إسنادًا، قد يكون الإسناد متصلًا وهو ضعيف، فيكون المنقطع أقوى إسنادًا منه، وهو يوقفه وقد كتبه على أنه متصل.
أما في الرواية الثانية فإنه قال: ليس بحجة إلا مرسل الصحابة. أومأ إليه في رواية إسحاق بن إبراهيم، وقد سئل عن حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل برجال ثبت أحب إليك، أو حديث عن الصحابة متصل برجال ثبت؟ فقال: عن الصحابة أعجب إلي، وهذا يدل من قوله على أنه ليس بحجة، إذ لو كان حجة لم يقدم عليه قول الصحابي، لأن من جعله حجة قدمه على قول الصحابي (1) .
إلا أن القاضي أبو يعلى قد رجح الرواية الأولى، وهي حجية المرسل وقبوله.
وقد ذكر ابن قدامة (2) الروايتين إذ قال: إحداهما، تقبل، والأخرى لا تقبل، وذكر وجه الروايتين، إلا أنه لم يرجح شيئًا.
وقال الشيخ أبو زهرة (3) : ولكن، ونحن هنا نجد من الحق أن نقول: إن أحمد رضي الله عنه، اعتبر المرسل من قبيل الأخبار الضعيفة، التي يكون الأصل ردها وعدم قبولها، ولذلك قدم عليه فتوى الصحابي، وهو لا يقدم هذه الفتوى على حديث صحيح قط، فتقدمها عليه دليل على أنه يعتبره ضعيفًا لا صحيحًا، وهو بذلك ينحو نحو المحدثين الذين يقررون أن الحديث المرسل من قبيل الحديث الضعيف لا من قبيل الحديث الصحيح، وإنما أفتى به في حال الضرورة، لأنه لا
ـــــــــــــ
(1) العدة في أصول الفقه 3: 909.
(2) روضة الناظر مع الشرح 1: 324.
(3) ابن حنبل 230.