فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 648

فإذا عارضه أضعف أدلة الاستنباط الأخرى قدم عليه، ولذلك قيل عنه بأنه آخر مدار الفتوى.

وقال الشيخ أبو زهرة عن موقف الحنابلة من هذا الأصل: وهكذا كان ذلك الأصل في الاستنباط موسعًا في المذهب الحنبلي، وإن كان ذلك المذهب أثريًا نقليًا يعتمد على إتباع السلف، ويشدد في هذا الإتباع، لأنه إن كان يشدد في قبول الدليل المثبت من حيث موافقته للآثار، فهو يشدد أيضًا في قبول الدليل المغير للأحوال الذي يبطل الاستصحاب، وعلى ذلك تكثر أحكام الاستصحاب، ولهذا كان ذلك المذهب الكريم من أقل المذاهب تقيدًا، وأوسعها إطلاقًا.

وللتدليل على أن الحنابلة قد أخذوا بالاستصحاب، نعرض بعض الأمثلة على ذلك (1) :

أولًا: قرر الحنابلة آخذين من الآثار: أن الصيد إذا اغرق في الماء قبل الاستيلاء عليه لا يؤكل، ولو وجدت آثار السهام فيه، لأنه لا يدري: أقتل غرقًا فلا يحل، أم قتل بالسهام التي سمي عليها عند إرسالها فيحل؟ ولما كان الأصل في الذبائح التحريم، حتى يثبت الحل بالذبح المسمى عنده، أو بالصيد الذي يسمى عند إرسال آلته، ولم يثبث دليل الحل بيقين، فتبقى القضية على أصل التحريم.

ثانيًا: قرر الحنابلة أيضًا: أن الأصل في الماء أنه طاهر مطهر، فيبقى على ذلك الأصل حتى يقوم دليل على انتقاله من هذه الحال إلى حال أخرى تغير الحكم، فلا لزول الطهارة إلا بقيام دليل النجاسة من تغير في اللون والرائحة، أو رؤية النجس يخالطه.

ثالثًا: أن المطلق إذا شك في أنه طلق واحدة أو ثلاثًا، فإن أحمد، رضي الله عنه، مع جمهور الفقهاء، خلافًا لمالك، يقررون أنه لا يقع إلا طلقة واحدة رجعية، لأن الحل ثابت بيقين، بمقتضى عقد الزواج المتيقن الخالي عند إنشائه من كل مانع شرعي، فكان الحل هو الحال الثابتة المستمرة، فلا تزول بالشك، بل لا

ـــــــــــــ

(1) ابن حنبل 292.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت