والحياة بالنسبة للمفقود، فقد قررنا ثبوتها حتى يصدر الحكم بزوالها، وهكذا الأوصاف التي ثبتت مقترنة بحال فإنها تستمر حتى يقوم الدليل على زوالها (1) .
الرابع: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. وهو أن تجمع الأمة على حكم ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه. فهل يجب استصحاب حكم الإجماع بعد الاختلاف حتى ينقل عنه الدليل أو لا؟ ومن أمثلته: الشخص الذي لا يجد الماء قط فإنه قد أجمع الفقهاء على أنه يجوز له التيمم، والصلاة بهذا التيمم، فإذا أتم الصلاة قبل رؤية الماء فقد صحت الصلاة ولو رآه بعد ذلك. ولو رآه قبل الصلاة لا تصح إلا بوضوء، ولكن إذا رآه في أثناء الصلاة: أتبطل ويستأنفها من وضوء؟ قال الذين يحكمون بأن استصحاب حال الإجماع دليل يستمر: إن الصلاة تصح، ويتمها ولا يستأنفها.
فهذا الاستصحاب محل خلاف عند الأصوليين؛ وقال الشيخ أبو زهرة: وهو محل خلاف بين الحنابلة أيضًا (2) ، فبعضهم يعتبره حجة، وبعضهم لا يعتبره حجة.
وفي نهاية الأمر يقول الشيخ أبو زهرة (3) : ومن هذا يتبين أن الحنابلة يأخذون بالاستصحاب أصلًا من أصول الفتيا، ويتوسعون فيه أكثر من الحنفية، وأكثر من المالكية، ويقاربون الشافعية في ذلك، وأنه في الواقع كلما أكثر الفقهاء ووسعوا في باب الاستدلال بالرأي، قل اعتمادهم على الاستصحاب، وكلما قللوا من الاستدلال بالرأي أكثروا من اعتبار الاستصحاب، وذلك استقراء ثابت، فالحنابلة الذين كانوا يميلون إلى الآثار، وما زالوا يعد فقههم فقه الآثار بحق، أكثروا منه.
ـــــــــــــ
(1) ابن حنبل 294
(2) ابن حنبل 295.
(3) ابن حنبل 295.