الأصل الثامن: المصالح المرسلة: المصالح جمع مصلحة: وهي جلب المنافع ودرء المفاسد.
هذا، وقد قسم علماء الأصول، المصالح إلى ثلاثة أقسام هي (1) :
الأول: ما شهد الشارع له بالاعتبار، وهذه متفق على اعتبارها.
الثاني: ما شهد له الشارع بالإلغاء، وهذه متفق على إلغائها.
الثالث: ما لم يشهد لها الشارع بالاعتبار ولا بالإلغاء، وهذا القسم ما يسمى بالمصالح المرسلة، وهو محل الاختلاف بين العلماء من حيث صلاحيته للاستدلال به، وترتيب الأحكام الشرعية عليه.
فقد قرر علماء الأصول أن أحمد بن حنبل ومالكًا، رضي الله عنهما، قد أخذا بالمصالح المرسلة، من غير نكير من أتباعهما.
وأن الأخذ بالمصالح المرسلة، واعتبارها أصلًا فقهيًا يبنى عليه الاستنباط في غير مواضع النص، هو الذي يتفق مع إتباع أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، للسلف الصالح في استنباطهم، وعدم الخروج عن طريقتهم حتى عد تابعيًا، وذلك لأن الصحابة الذين اقتدى بهم، وتخرج على فتاواهم، قد كانوا يأخذون بالمصالح المرسلة، وإليك طائفة مما أخذوا به (2) :
1 -قد جمعوا القرآن الكريم في المصحف، ولم يكن ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن المصلحة تقتضي ذلك، إذ خشوا أن ينسى القرآن الكريم بموت الحفاظ، وقد رآهم عمر، رضي الله عنه، يتهافتون على الموت في حرب الردة، فخشى نسيان القرآن بموتهم، فأشار على أبي بكر بجمعه في المصحف، واتفق الصحابة على ذلك وارتضوه.
2 -اتفق الخلفاء الراشدون على تضمين الصناع، مع أن الأصل أن أيديهم على الأمانة، ولكن لأنهم لو لم يضمنوا لاستهانوا بالمحافظة على أمتعة الناس وأموالهم، وفي الناس حاجة شديدة إليهم، فكانت المصلحة في تضمينهم،
ـــــــــــــ
(1) روضه الناظر مع الشرح 1: 412، والمستصفي 1: 139، وإرشاد الفحول 241.
(2) ابن حنبل 298.