الطائفة الثالثة: تأخذ بالمصالح المرسلة، وتقفها موقف المعارضة للنص، وأولئك فريقان:
الفريق الأول: المعتدلون في الأخذ بالمصالح، وهم أكثر المالكية، يأخذون بالمصالح المرسلة، ويخصصون بها النصوص التي لا تكون قطعية في دلالتها أو التي لا تكون قطعية في ثبوتها، فيخصصون العام في القرآن أحيانًا بالمصلحة، وتقف المصلحة معارضة لبعض أخبار الآحاد، وقد يرجح الأخذ بها أو يرجح الأخذ بخبر الآحاد.
الفريق الثاني من هذه الطائفة الأخيرة: الغلاة في الأخذ بالمصالح، وهؤلاء يقدمون المصالح المقطوع بها على النصوص القطعية، وأظهر من يقول بهذا: الطوفي، رحمه الله، من الحنابلة.
وفي هذا المقام ينبغي أن نبين رأي الطوفي في المصلحة، كما وضحه عنه الشيخ أبو زهرة، رحمه الله، إذ قال (1) : لقد حمل الطوفي لواء المغالاة في اعتبار المصالح، والوقوف بها أمام النصوص، بل تقديمها على النصوص، وتخصيص هذه النصوص في معاملات الناس، وبين ذلك في حديث"لا ضرر ولا ضرار" (2) ، وقال في المصلحة إذا عارضت النص أو الإجماع: إن خالفها وجب تقديم رعاية المصالح بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتيات عليها.
ثم يقول: إن الطريقة التي قررناها مستفيدين لها من الحديث المذكور ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك رضي الله عنه، بل هي أبلغ من ذلك، وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات، وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام، وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات دون العبادات وشبهها، لأن العبادات حق للشارع خاص
ـــــــــــــ
(1) ابن حنبل 305.
(2) أخرجه مالك في الأقضية 36 باب القضاء في المرفق (26) 2: 745 رقم 31، والشافعي في المسند، كتاب الشفعة 2: 165 رقم 575، وأحمد في المسند 1: 313، وابن ماجه أبواب الأحكام 14، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (17) 2: 44 رقم 2362، 2363، والطبراني في المعجم الكبير 2: 18 والدارقطني، البيوع 3: 77 رقم 288، والبيهقي، كتاب الصلح، باب لا ضرر ولا ضرار 6: 69 - 70.