به، ولا يمكن معرفة حقه كمًا وكيفًا وزمانًا ومكانًا إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رسم له، ولأن غلام أحدنا لا يعد مطيعًا خادمًا له إلا إذا امتثل ما رسم له سيده، وفعل ما يعلم أنه يرضيه، فكذلك هاهنا، ولهذا لما تقيدت الفلاسفة بعقولهم ورفضوا الشرائع أسخطوا الله عز وجل، وضلوا وأضلوا. وهذا بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكامها سياسية شرعية، وضعت لمصالحهم، وكانت هي المعتبرة، وعلى تخصيصها المعول.
ولا يقال: إن الشارع أعلم بمصالحهم، فلتؤخذ من أدلته، لأننا قد قررنا أن المصلحة من أدلة الشرع وهي أقواها وأخصها، فلنقدمها في تحصيل المصالح.
هذا موجز ما ذهب إليه الطوفي في تقديمه المصالح على النصوص والإجماع فيما يتعلق بالمعاملات، وقد رد على هذا القول الشيخ أبو زهرة بقوله (1) : لم يقف الطوفي عند الحد الذي وضعه المالكيون، ولم يقيد نفسه بما قيد به أحمد بن حنبل اجتهاده، بل تجاوز الحد، فزعم أن المصالح تقف معارضة للنصوص القطعية، وأردف ذلك بزعمه أنها تقف أمام الأمور المجمع عليها، وأن الأدلة التي ساقها ليست قطعية في دلالتها على مطلوبه، بل الارتباط بينها وبين دعواه ارتباط واه لا يصلح شرطًا لإنتاج دعوى خطيرة كهذه الدعوى التي تفرض أن نصوص الشارع القطعية تجيء مضادة للمصالح.
بقي أن نناقش ما زعمه من أن طريق معرفة المصالح طريق واضح، فإنه يقرر ذلك ويقرر أن طريق النصوص المعارضة للمصالح مبهم، وأنه لا يصح أن تترك المصالح لأمر مبهم، يحتمل أن يكون طريقًا للمصلحة ويحتمل ألا يكون.
فنقول: إذا رأينا النصوص القاطعة تحرم الربا، وجاء أنصار رأس المال من غير اعتدال يرون المصلحة القاطعة عندهم توجب تقييد تحريم الربا، أو تقييد أحواله، فيخصص قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} (2) ببعض الأحوال، أو ببعض الناس، أو نحو ذلك، ألا نكون قد تركنا
ـــــــــــــ
(1) ابن حنبل 308.
(2) سورة البقرة، الآية 279.