فهرس الكتاب
وهذا نوع من الاحتيال الفكري يعتمد على كون الذهن البشري معتادًا بداهة على القفز من النقيض إلى النقيض المقابل كبديل عن نقيضه الذي تبين له بطلانه أو ضرره. بينما قد يُظهر التدبر والتفكر أن الحق أو النفع لا في هذا ولا ذاك، وإنما في نقطة الوسط .
إن الذي تقوله النظرية الإمامية هو الآتي: بما أن التقليد ثبت بطلانه، إذن الحق في نقيضه الذي هو النظر العقلي. وهذا بالضبط هو العملية التي يقوم بها العقل دون تريث، وهو ينتقل من التقليد إلى الاجتهاد أو النظر العقلي كبديل مقابل للنقيض الذي تبين له بطلانه.
إن حصر المصدر المعرفي الأصولي في هذين الأمرين مع إثبات أحدهما بإسقاط الآخر، أو بإثبات بطلان الآخر هو المغالطة الفكرية الكبرى التي تقوم عليها النظرية الإمامية اعتمادًا على نقطة ضعف خفية في الذهن البشري، ألا وهي القفز من النقيض إلى النقيض دون التوقف عادة عند النقطة الوسط التي قد تكون هي البديل الصحيح.
ونقطة الوسط التي تهملها النظرية الإمامية كخيار ثالث معتبر هي النصوص الدينية القطعية. وهي النصوص القرآنية الصريحة.
فالمغالطة تتكون من جزأين أو ركنين تقوم عليهما النظرية هما:
* حصر بديل التقليد -أو تفسير عدم التقليد- بأمر واحد فقط هو الاجتهاد أو النظر العقلي. مع أن عدم التقليد يستلزم أمرين اثنين لا واحدًا فقط: أولهما اتباع النصوص القرآنية القطعية (ثبوتًا ودلالة) . والثاني الاجتهاد أوالنظر العقلي.
إن النص القرآني الصريح مفهوم المعنى بذاته فلا يحتاج إلى نظر أحد أو اجتهاده، سواء كان عاميًا أم عالمًا يقلده العامي في ذلك النظر. وبعبارة أخرى: ان فهم العامي للنص الصريح غير مقيد بفهم العالم. وهو يقيني قطعي لا ظن فيه، ولا يحتمل الخطأ لصراحة النص ووضوحه. فلا علة فيه تقتضي إبعاده عن دائرة الاستدلال. فالاجتهاد إذن ليس هو الخيار الوحيد حتى يصح اعتماده بديلًا وحيدًا عن التقليد الذي ثبت بطلانه.