فهرس الكتاب
* والركن الآخر الذي قامت عليه المغالطة هو: إثبات النظر العقلي اعتمادًا على ثبوت بطلان التقليد. أي: بما أن التقليد باطل إذن النظر العقلي صحيح. بل هو البديل الصحيح الوحيد الذي لا يصح غيره!
وهذا لا يكون إلا إذا تردد الأمر بين التقليد والنظر العقلي فقط . أمَا وأن هناك بديلًا آخر في المسألة هو اتباع النصوص الدينية الصريحة القطعية فإن الاقتصار على النظر العقلي وحده اعتمادًا على ثبوت بطلان التقليد مغالطة مرفوضة.
إن هذا يشبه أن يقول أحد رجلين لآخر: بما أن هذا المال ليس لك، أو ثبت أنه ليس لك، إذن أنا صاحب المال! إن هذه مغالطة لا تُقبل إلا في حالة واحدة هي انحصار الملكية بواحد من هذين الرجلين دون وجود رجل آخر. فإذا تبين أن المدعين ثلاثة وليسوا اثنين فقط، صار قول ذلك الرجل وادعاؤه نوعًا من الاحتيال والمغالطة في ميزان الحق. إن المنطق يفرض عليه أن يثبت بطلان ملكية الرجل الآخر كذلك قبل أن يدعي هذه الملكية لنفسه دون سواه، وإلا كان مغالطًا محتالا.
هذا النوع من المغالطة أو الاحتيال هو بالضبط ما يجري في النظرية الإمامية في إثبات الأصول.
إن الأمر - في حقيقته - متردد بين ثلاثة مصادر محتملة لمعرفة الأصول هي: التقليد، والنظر العقلي، والنصوص الدينية. تقول النظرية: بما أن التقليد ثبت بطلانه لأنه ظن، إذن النظر العقلي هو المصدر الوحيد لإثبات الأصول. دون أن تُدخل الاختيار الثالث - الذي هو كلمة الله - في ميزان المعادلة، أو عملية الاختيار!!!
النظر العقلي - كالتقليد - غير منزه عن الظن
إن العلة في عدم صلاحية التقليد لإثبات الأصول: كونه ظنًا لا يمنح صاحبه اليقين. وهو أمر متفق عليه. فهل النظر العقلي منزه عن هذه العلة؟ أم إنه - كالتقليد - يعتريه الظن فلا يصح اعتماده في إثبات الأصول؟
إن النظر العقلي هو إعمال العقل وتحريكه للتفكر في الأدلة العقلية من أجل تحصيل المعاني المطلوبة، وهي هنا الأصول.