فهرس الكتاب
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا الموضع هو: هل هذا الفعل - إذا صدر عن غير معصوم - منزه عن الخطأ قطعًا؟ والجواب القطعي: كلا وإلا لما اختلف العقلاء فيما بينهم في إثبات ونفي المعاني المتحصلة بالأدلة العقلية البحتة والفلاسفة خير مثال.
إذن النظر العقلي قابل للخطأ، فهو غير منزه عن الظن. فكيف يصلح أساسًا لبناء الأصول القائمة على القطع واليقين؟!
والنظر العقلي قد يصدر من العالم أو من العامي.
فأما نظر العالم فلو كان قطعيًا يقينيًا لكان صالحًا لأن يعتمد أو يقلد من قبل العامي فيكون التقليد مقبولًا في الأصول لخلوه من العلة المانعة وهي الظن. وهذا مخالف لما جرى الاتفاق عليه. إذن النظر العقلي ليس يقينيًا. وما دام هو ليس يقينيًا فهو ظني. والظني لا يصلح دليلًا في الأصول.
إذن النظر العقلي ليس هو البديل عن التقليد في إثبات الأصول لاشتراكهما في علة واحدة مانعة هي الظن.
هذا بالنسبة لنظر العالم، فكيف بنظر غيره من العوام؟!
إن تطرق الظن إلى نظر العامي أولى منه إلى نظر العالم. فهو أولى بالمنع، وعدم الاعتبار.
وهكذا يتبين لنا أن النظر العقلي لا يمتلك شرط الدليل الأصولي ألا وهو القطع أو اليقين. فهو غير صالح للاعتماد في إثبات الأصول.
قبول المعقول مشروط بموافقة المنقول وليس العكس
يقول تعالى: { إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ } (الجاثية:3) . فلو نظر إنسان بعقله في السموات والأرض، وتوصل -كما هو شأن الكثيرين- إلى ما يناقض النصوص الدينية، هل يكون ما توصل إليه معتبرًا شرعًا؟ ويكون هو معذورًا أمام الله في اعتقاده بغير مراد الله، ونقيض ما أنزله على رسوله؟
لا أظن عاقلًا يقول بهذا. فالنظر العقلي إذن غير مقبول شرعًا- بل ولا عقلًا- ما لم يكن موافقًا ومنضبطًا بالنص الديني.