فهرس الكتاب
الأصل بين المعنى العام والمعنى الخاص
إن العقل الإنساني مهما نظر واجتهد في التعرف على الأصول، فإنه لا يستطيع إثبات أكثر من معان عامة. بينما الشرع يلزمنا بمعان خاصة محددة.
مثلًا: العقل يثبت النبوة. ولكن النبوة التي يثبتها العقل نبوة عامة غير محددة بشخص معين بينما الشرع يلزمنا بالإيمان بنبوة شخص معين محدد هو محمد- صلى الله عليه وسلم - ، فلو قال إنسان: أنا أؤمن بأن لله أنبياء لكنه لم يثبت نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فإيمانه هذا غير معتبر أي باطل شرعًا وصاحبه كافر ما لم ينتقل من المعنى العام للنبوة إلى المعنى الخاص لها.
وإثبات المعنى الخاص لا يمكن تحقيقه بالنظر العقلي المجرد عن النص الديني. إذ لولا نصوص القرآن لما استطعنا بعقولنا أن نثبت أن محمدًا نبي. ولا غيره من الأنبياء. وقد عاش النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة بين قوم عقلاء حكماء، لكن أحدًا منهم لم يخطر بباله أن هذا الرجل نبي. رغم أنهم كانوا ينتظرون النبي الخاتم، ويترقبون بعثته! وبعضهم خرج إلى الشام كزيد بن نفيل -وهو أحد الأحناف- عله يعثر له على خبر. والنبي الموعود بينهم يرونه صباح مساء! لكن عقولهم لم تدلهم عليه. غاية ما توصلوا إليه أن أسموه بـ (الصادق الأمين) . ولما بعث نبيًا أنكروه! ولا شك أن بعضًا من هؤلاء المنكرين إنما أنكره لعدم اقتناعه العقلي بما يقول. وليس لأسباب أخرى، كما هو شأن البعض الآخر. حتى محمد نفسه -وهو أكمل الخلق عقلًا- حين جاءه الوحي في (حراء) ، لم يعرف أنه الوحي، وأنه صار به نبيًا. حتى ذهب إلى ورقة بن نوفل وقص عليه الخبر!!