فهرس الكتاب
وكذلك فإن الآية جعلت المحكم أصلًا ومرجعًا (أُمًا) يرد إليه ما تشابه من الآيات فلو كان المحكم يحتاج إلى غيره يوضح معناه ويحدد المراد به لما صلح أن يكون أصلًا ومرجعًا بل يكون ذلك الغير هو الأصل وليس المحكم وهو نقيض مراد الآية أيضًا.
وأما المحكم بقيد فقد جاء في قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (الحج:52) . فهذا الإحكام للآية هو بعد إمكانية تطرق الاشتباه إليها عن طريق ألفاظها العامة أو المجملة وما شابه مما يمكن أن يكون منفذًا لشياطين الإنس والجن كي يلقوا بشبهاتهم من خلالها، ونسخ الله للآية إنما هو نسخ إمكانية ورود المعنى الفاسد الذي يريد أن ينفذ به الشيطان إلى الآية، فالآية قبل النسخ معرضة لذلك، أما بعده فقد صارت محكمة لا ثغرة فيها للنفاذ بعد أن كانت مشتبهة.
وهذه الآيات - أي الآيات المشتبهة - إنما صارت محكمة بغيرها فهي من نوع
المحكم المقيد، وبهذا يكون كتاب الله كله محكمًا: إما بإطلاق وإما بقيد ويكون الاشتباه في آياته نسبيًا إضافيًا لا حقيقيًا فإنه إذا جمعت آياته إلى بعضها واعتبر بعضها ببعض
لم يبق فيها اشتباه. إلا بالنسبة إلى من اشتبه عليه الأمر بسبب تقصيره أو قصوره.