قبل كل شيء أقول: إذا كان الحق مطلوبنا، ورضاء الله غايتنا فالجواب في غاية السهولة واليسر. إذ المشكلة - كل المشكلة - في أهل الأهواء، الذين هم أصل الداء وأُس البلاء! وهؤلاء لا شأن لنا معهم، ولا نحن حريصون عليهم. إنما نوجه كلامنا إلى مريدي الحق: ممن إذا وجدوه لم يؤثروا عليه سواه. ولكن خفي عليهم لطروء شبهة، أو افتقاد بينة. فإلى هؤلاء وحدهم نوجه كلامنا فنقول:
إن كتاب الله تعالى هو مصدر الهداية، وأساس المعرفة كما قال تعالى: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ } (البقرة:2) . هذه حقيقة لا يختلف عليها مسلمان. لكن لهذا الكتاب العظيم مفتاحًا ربانيًا لا بد من الإمساك به حتى يتمكن العبد من الاهتداء بيسر إلى مراده، ويميز بوضوح تام بين الحق وبين الباطل. وعندها سيعرف - بلا أدنى شبهة - من هم أصحاب الحق؟ ومن هم أصحاب الباطل؟ ليختار عن بينة أن يكون من هؤلاء أو هؤلاء.
هذا المفتاح الرباني نجده في قوله تعالى:
{ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُمُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَتأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألبَابِ } (آل عمران:7) .
فأهل الحق يتبعون الآيات المحكمات أي النصوص القرآنية الصريحة الخالية من الإشكال والاحتمال، وذلك يقين لا شبهة فيه.
أما أهل الباطل فيتبعون المتشابهات التي تحتمل وجوهًا متعددة متناقضة، وذلك ظن لا يقين فيه.
هذا هو المفتاح. وهذه هي العلامة الفارقة، والحد الواضح الفاصل الذي به يتم التمييز التام - بلا أدنى شبهة أو لبس - بين فريق الحق وفريق الباطل.