فهرس الكتاب
يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد. ومنه آيات أخر فيها اشتباه (1) على كثير من الناس أو بعضهم.
فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكّم محكمه على متشابهه فقد اهتدى. ومن عكس انعكس. ولهذا قال تعالى: { هن أم الكتاب } أي أصله الذي يرجع اليه عند الاشتباه { وأخر متشابهات } أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وتحتمل شيئًا أخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.
وقال القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسير الآية:
المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه من قوله: { إن البقر تشابه علينا } أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعًا كثيرة من البقر.
والمراد بالمحكم في مقابلة هذا. وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل الا وجهًا واحدًا. وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوهًا ثم إذا رُدت الوجوه إلى وجه واحد وأُبطل الباقي صار متشابهه محكمًا، فالمحكم أبدًا أصل ترد اليه الفروع والمتشابه هو الفرع… قال محمد بن جرير بن الزبير: إن المحكمات هي التي فيها حجة الرب، وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس فيها تصريف ولا تحريف عما وضعت له.
(1) جاء هذا المعنى باللفظ نفسه - على اختلاف في التصريف - في آيات عديدة من القرآن كقوله تعالى: { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا } (البقرة:70) . وقوله: { أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } (الرعد:16) . وقوله عن المسيح - عليه السلام -: { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا } (النساء:157) .