الصفحة 37 من 461

قلت: وللمتشابه معنى ثان آخر يرجع إلى المعنى الأول فهو أحد أفراده هو: ما لا يعلم حقيقة معناه إلا الله لأن ما لا يعلم تأويله إلا الله يحتمل معنى أو معان لا يمكن البت بأحدها. نقل القرطبي عن جابر بن عبد الله قوله: المتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه من سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه. قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور.

وقال الشيخ حسنين محمد مخلوف في مقدمة تفسيره (صفوة البيان لمعاني القرآن) :

جعل الخطابي المتشابه على ضربين: أحدهما ما إذا رد الى المحكم واعتبر به عرف معناه والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، فمن المتشابه ما يمكن الاطلاع على معناه ومنه ما لا يعلمه إلا الله.

قلت: وهذا القسم الثاني على ضربين:

أحدهما: ما يستاثر الله بعلمه إلى حين ثم يعلمه من شاء من خلقه مثل وقت خروج الدجال ونزول عيسى - عليه السلام - . ومثل مفردات الإعجاز العلمي في القرآن كقوله تعالى: { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ } (الرحمن:19،20) فإن العلماء الماضين احتاروا في تفسير معنى البرزخ على أقوال ولم يصلوا إلى معرفة حقيقته فهو متشابه حتى جاءت الكشوفات العلمية في منتصف القرن العشرين فأظهرت وجود حاجز مادي غير منظور بين كل بحرين يجعل كل بحر يحتفظ بخصائصه دون أن يبغي أحدهما على الآخر. فـ (البرزخ) قبل ذلك كان متشابهًا يحتمل عدة معان، أما الآن فقد تساقطت تلك المعاني إلا معنى واحدًا وهو الذي ذكرناه بدليل الكشوفات العلمية عند من علمها.

فمثل هذا المتشابه لا يجوز اتباعه والجزم بحقيقة معناه قبل أن يكشفه الله فضلًا عن اعتماده في تأصيل أساسيات الدين لأنه (لا يعلم تأويله إلا الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت