الصفحة 40 من 461

وخلاصة القول في معنى الآية الكريمة ما يلي: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) : بينات واضحات لا لبس فيها على أحد (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) : أصل الكتاب وعماد الدين، ومرجع ما اشتبه أو التبس فهمه من الآيات. (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) : منه آيات فيها اشتباه على كثير من الناس أو بعضهم. تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وتحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد. فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكَّم محكمه على متشابهه فقد اهتدى. (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) : ميل عن الحق (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) : يعكسون الأمر فيتركون المحكم، ويتبعون المتشابه بحمله على ما يشتهون مما يمكن أن يحتمل من المعاني بمعزل عن المحكم (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) : صد الناس وفتنتهم عن المعنى الحق تلبيسًا بالباطل واحتجاجًا بالمتشابه على ما مالت إليه قلوبهم الزائغة من الباطل دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه، (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه) : حمله على ما تشتهي قلوبهم مما يناسب زيغها من المعاني والتأويلات الباطلة المحتمَلة بمعزل عن المحكم. (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) : معناه المراد قطعًا إذا عزل عن المحكم (إِلاَّ اللَّهُ) : فإذا رُدَّ إلى الله - أي إلى آياته المحكمات - علم تأويله ومعناه (1)

(1) إنما قلنا بأن التأويل هنا (أي الذي لا يعلمه إلا الله) إنما هو إذا كان بمعزل عن المحكم. لا أنه غير المعلوم المعنى بإطلاق؛ لأن التأويل الذي يبتغيه الزائغون لا يكون إلا كذلك.

ولأن تأويل المتشابه إذا جمع مع المحكم كان معلومًا. أي إذا رُد إلى الله الذي لا يعلم تأويله إلا هو . فيرد إليه - أي إلى آياته المحكمات - ليعلم. كما قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (الشورى: 10) وقال: { وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } (الشورى: 24) .

ولأنه لا يوجد في كتاب الله ما هو غير معلوم المعنى بإطلاق. وهذا معلوم قطعًا بالاستقراء. وبالعقل كذلك: فإنه لا حكمة أو فائدة من إنزال ما لا يدرك معناه. وهو ما يتناقض مع ما جاء في صريح الكتاب من الأمر بتدبر آيات القرآن كلها محكمها ومتشابهها دون استثناء. كقوله تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ } (ص:29) ، وقوله: { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } (هود:1) . فآيات الكتاب كلها محكمة مفصلة، لا إبهام فيها. فأي آية من الآيات، أم أي مقطع أو عبارة منها لا يمكن إدراك معناه بحال؟! إلا ما يمكن أن يقال في الحروف المقطعة. وهي - كما أسلفت - من حروف المباني وليست من حروف المعاني. فلا داعي لإقحامها في الموضوع.

وهذا هو الذي يتوافق مع سبب نزول الآية: فإن النصارى الذين جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - وهم وفد نجران الذي بسببه نزلت الآية - لم يجادلوا الرسول في أمور غير معلومة المعنى مطلقًا، أي لا يعلمها إلا الله فقط . وإنما احتجوا عليه بآيات متشابهة معلومة المعنى. لكنها تحتمل معانيهم الباطلة إذا عزلت عن الآيات المحكمات. وفي هذه الحال لا يمكن لأحد معرفة معناها على المراد الحق قطعًا سوى الله. أما إذا ردت إلى محكمات الكتاب - وهو المعنى العملي للرد إلى الله - فقد تبين معناها.

لقد تمسك النصارى أولئك بما جاء في متشابه الكتاب من وصف المسيح - عليه السلام - بأنه (كلمة الله وروح منه) . فقالوا: هو الله، أو ابن الله، أو جزء منه. وأعرضوا عن قوله تعالى وهو يتحدث عن خلق آدم - عليه السلام -: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَختُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } (الحجر:29) . وقوله: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (آل عمران:59) . واحتجوا لعقيدتهم في التثليث بما جاء في القرآن من متشابه قوله: ( إنا.. ونحن.. وأنزلنا) وأمثاله. وأعرضوا عن محكم قوله: { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } (البقرة:163) . وقوله: { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه } (الأعراف: 59) . وهذه كلها معلومة المعنى إذا ردت إلى الله ، أي إلى محكمات كتابه. وإلا فإنه لا يعلم معناها المراد من قبل الله على وجه اليقين أحد. وهو المقصود بقوله: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت