الصفحة 54 من 461

ومثال الفروع والملحقات: أغلب القضايا الفقهية العملية. وهذه تجد الأدلة عليها في الغالب ظنية، محتملة لأكثر من وجه. ولذلك تعددت بشأنها آراء الفقهاء. كمسافة السفر الذي تقصر فيه الصلاة ويفطر الصائم. والمسح على الجورب. والوضوء من لمس المرأة. ومئات -بل آلاف- المسائل الفقهية.

وإذا أخذنا فروعيات العقيدة كمثال، نذكر مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر. وخلق العرش والقلم، وأيهما أقدم. وأشراط الساعة. إن هذه الأمور يسوغ فيها الإختلاف وتعدد وجهات النظر. لعدم لزومه الفساد والخلل في الدين أو الدنيا. إلا ما جاء النص فيه قطعيًا في ثبوته ودلالته -كصريح الآيات- إذ يصبح تكذيبه تكذيبًا للنص نفسه. وهو كفر.

ولقد منع العلماء من التقليد في الأصول. وأجازوه في الفروع. لأن عامة أدلة الفروع ظنية، محتملة لوجوه من المعاني يصعب على العوام عادة تحديد المطلوب منها شرعا، أو فهمها على وجه الدقة دون الرجوع إلى العلماء. فمنعُ العوام من التقليد في الأصول يستلزم أن لا تكون أدلتها كذلك، وإلا لزم فيها التقليد. فلا بد إذن أن تكون أدلة الأصول خالية من الظن أي قطعية، حتى لا يضطر فيها العوام إلى تقليد العلماء. و يكون المنع من التقليد فيها صحيحًا مقبولا.

4.أصول الحق قطعية وأصول الباطل ظنية

إن دين الإسلام اعتمد في أصوله على الأدلة القطعية التي لا تحتمل نصوصها إلا وجهًا واحدًا من وجوه التفسير. وهي التي يسميها الله تعالى (بالآيات المحكمات) التي جعلها أُمًا للكتاب ومرجعًا عند الاختلاف، لكونها لا يُختلف في تفسيرها. كما قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } (آل عمران/7) . ولذلك صار الدين يقينًا لا ريب فيه.

تأمل هذه الآيات:

{ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ- إلى قوله- وَبِالأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } (البقرة/2-4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت