الصفحة 74 من 461

ثم انظر إليه مرة أخرى لترى كيف استعمل دليل العقل لإثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصدق رسالته فقال: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } (البقرة/23) . وفيه أمران: (مانزلنا) وهو القرآن. و (عبدنا) وهو الرسول. وكلاهما متلازمان. فإذا زال الريب عن (المنزَّل) زال الريب عن (المرسَل) . فصحة أحدهما دليل على صحة الآخر.

فما هو الدليل العقلي الذي يزيل الريب عنهما معًا؟ قال: { فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله… } فإذا عجزتم عن محاكاة سورة واحدة من مثله ثبت الإعجاز فزال الريب. وذلك بدليل عقلي في غاية الإيجاز والإعجاز!

فتحصل لنا من مجموع هذه الآيات الثلاث من سورة البقرة لحد الآن ثلاث قضايا اعتقادية كبرى إخبارا وإثباتا: صحة التوحيد، والنبوة، والقرآن. وبقيت قضية رابعة كبرى ألا وهي الايمان باليوم الآخر. فاكتفى بالإخبار عنها دون إقامة البرهان العقلي عليها لعدم الحاجة الى دليل على صحة المخبَر به (اليوم الآخر) بعد قيامه على صحة الخبر (القرآن) والمخبِر (الرسول) فقال: { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار } (البقرة/24) .

وهذا مع الكافرين فكيف يجب أن يكون الحال مع المؤمنين؟! وكيف يقال: إن حجة الله في القرآن لا تقوم على غير المؤمنين؟! ثم يستعمل هذا القول لعزل القرآن عن دائرة اهتداء المسلمين. وتؤسس أصول الدين بعيدًا عن كتاب رب العالمين. فما عاد القرآن حجة لا على الكافرين ولا على المسلمين؟!

فحجةً على مَن؟ أنزله الله إذن!

وأين نجد حجة الله التي نص عليها بقوله: { قل فلله الحجة البالغة } (الأنعام/149) . إذا لم نجدها في كتابه؟!

ورسول الله- صلى الله عليه وسلم - إلى من يوجه خطابه الذي أمره الله به بقوله: { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } (الكهف/29) . أللمسلمين وحدهم؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت