وهذه اللغة هي أصل هذه اللفظة، لأنها كاف التشبيه، دخلت على"أي"... وصرفت العرب"كأين"في معنى"كم"التي هي للتكثير، وكثر استعمالهم للفظة حتى لعب فيها لسان العرب على اللغات الأربع التي ذكرت [1] .
ثم يتابع ابن عطية تبيان وجوه الكلمة، ليأتي بالوجوه الصرفية كالإعلال والإبدال والقلب، حتى ليظن القارئ أن الموضوع خرج من دائرة التفسير، إلى بحث لغوي صرف، وهذا يدل على قدرة الرجل واتساع دائرة معارفه، في الوقت الذي نراه يلح على رغبته في عرض كفاءته اللغوية.
ج - الاعتقاد بأن ألفاظ القرآن عربية: لقد وردت ألفاظ في القرآن الكريم أصلها أعجمي، فانتقلت إلى العرب فاستعملوها في محاوراتهم وأشعارهم، فلاكت بها ألسنتهم، وجرت عندهم مجرى العربي الصريح.
وقد عقد ابن عطية في مقدمة تفسيره بابًا أسماه: (باب في ذكر الألفاظ التي في كتاب الله وللغات العجم بها تعلق) ، يقول بعد أن يذكر بعض آراء العلماء في هذه المسألة:(والذي أقوله: إن القاعدة والعقيدة هي أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب، فلا نفهمها إلا من لسان آخر، فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة، بتجارات وبرحلتي قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمر بن أمية بن عبد شمس إلى الشام، وسفر عمر بن الخطاب، وكسفر عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة، وصحبته لنصاراها، مع كونه حجة في اللغة.
فعلقت العرب بهذا كله ألفاظًا أعجميةً غيرت بعضها، لنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الصريح، ووقع بها البيان.
وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، فإن جهلها عربي ما، فكجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى"فاطر"إلى غير ذلك، فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملها العرب، وعربتها فهي عربية بهذا الوجه) [2] . ومسألة المعرب والدخيل باب واسع في العربية، تكلم فيه العلماء وأشبعوه بحثًا. فقوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنًا عربيًا} [3] وقوله تعالى: {بلسانٍ عربي مبين} [4] ، جعل طائفة من مفكري الإسلام تذهب إلى إنكار وقوع المعرب في كتاب الله.
(1) - المحرر الوجيز / 518. وينظر الكتاب 2/ 170.
(2) - المحرر الوجيز 1/ 51.
(3) - سورة الزخرف / 3.
(4) - سورة الشعراء / 195.