الصفحة 6 من 8

يدل على الاهتمام بالأسانيد، رغم أنه لا يوردها في تفسيره، وذلك يتجلى في عبارات مثل: (ليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر) [1] .

ويظهر مثل هذا الاحتجاج بالحديث في تفسيره للآية الكريمة: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [2] : (وقوله"ولا تقف"معناه: ولا تقل، ولا تتبع) .

قال القاضي أبو محمد: لكنها لفظة تستعمل في القذف والعظة. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"نحن بني النضر لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا".

وتقول: (فلان قفوتي) أي موضع تهمة وتقول العرب:

(رب سامع عذرتي، ولم يسمع قفوتي) ، أي ما رميت به. وهذا مثل للذي يفشي سره، ويعتذر من ذنب لم يسمعه المعتذر إليه [3] .

و - رأيه في إعجاز القرآن:

قال ابن عطية وهو يناقش مسألة قيام الحجة بالقرآن على العرب: اختلف الناس في إعجاز القرآن بم هو؟ فقال قوم: (عن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وإن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق، وفيه وقع عجزها) [4] .

وقال قوم: (إن التحدي وقع بما في كتاب الله تعالى من الأنباء الصادقة، والغيوب المسرودة) [5] .

وبعد أن يورد آراء متعددة في الإعجاز يقول: (والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يصنع خطبة، أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولًا كاملًا، ثم تعطى لآخر نظيره، فيأخذها بقريحة أخرى فيبدل فيها وينقح، ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل. وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدبر لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ونحن تبين لنا البراعة في أكثره، ويخفى علينا وجهها في مواضع، لقصورنا عن رتبة العرب يومئذ، في سلامة الذوق وجودة القريحة، وميز الكلام.

ألا ترى ميز الجارية نفس الأعشى، وميز الفرزدق نفس جرير من نفس ذي الرمة، ونظر الأعرابي في قوله: (عز فحكم فقطع) إلى كثير من الأمثلة .. فصورة قيام الحجة بالقرآن على العرب أنه لما جاء محمد صلى الله عليه وسلم به وقال: (فأتوا بسورة من مثله) [6] ، قال كل فصيح في نفسه: (وما بال هذا الكلام حتى لا

(1) - المحرر الوجيز 1/ 60.

(2) - سورة الإسراء / 35.

(3) - المحرر الوجيز 3/ 455.

(4) - المحرر الوجيز 1/ 52

(5) - المحرر الوجيز 1/ 52

(6) - سورة البقرة / 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت