فهرس الكتاب
المبحث الثاني
الخلاصة في فضائل الفاروق عمر
أ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ قَالَ « بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِى فِى الْجَنَّةِ،فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ،فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ فَقَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ،فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا » .فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .أخرجه البخاري
وفي رواية عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -"رَأَيْتُنِى دَخَلْتُ الْجَنَّةَ،فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِى طَلْحَةَ وَسَمِعْتُ خَشَفَةً،فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ هَذَا بِلاَلٌ.وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ،فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا فَقَالَ لِعُمَرَ.فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ،فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ ».فَقَالَ عُمَرُ بِأُمِّى وَأَبِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَيْكَ أَغَارُ أخرجه البخاري [1] ."
(1) - برقم (3242و 3679) ومسلم برقم (6353)
قال الحافظ ابن حجر في الفتح:
قَالَ اِبْن بَطَّال: فِيهِ الْحُكْم لِكُلِّ رَجُل بِمَا يَعْلَم مِنْ خُلُقه ، قَالَ وَبُكَاء عُمَر يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سُرُورًا ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَشَوُّقًا أَوْ خُشُوعًا .
وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مُرَاعَاة الصُّحْبَة ، وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِعُمَر . وَقَوْله فِيهِ"تَتَوَضَّأ"يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره وَلَا يُنْكَر كَوْنهَا تَتَوَضَّأ حَقِيقَة لِأَنَّ الرُّؤْيَا وَقَعَتْ فِي زَمَن التَّكْلِيف ، وَالْجَنَّة وَإِنْ كَانَ لَا تَكْلِيف فِيهَا فَذَاكَ فِي زَمَن الِاسْتِقْرَار بَلْ ظَاهِر قَوْله"تَتَوَضَّأ إِلَى جَانِب قَصْر"أَنَّهَا تَتَوَضَّأ خَارِجَة مِنْهُ ، أَوْ هُوَ عَلَى غَيْر الْحَقِيقَة . وَرُؤْيَا الْمَنَام لَا تُحْمَل دَائِمًا عَلَى الْحَقِيقَة بَلْ تَحْتَمِل التَّأْوِيل ، فَيَكُون مَعْنَى كَوْنهَا تَتَوَضَّأ أَنَّهَا تُحَافِظ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْعِبَادَة ، أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَتَوَضَّأ أَيْ تَسْتَعْمِل الْمَاء لِأَجْلِ الْوَضَاءَة عَلَى مَدْلُوله اللُّغَوِيّ وَفِيهِ بُعْدٌ . وَأَغْرَبَ اِبْن قُتَيْبَة وَتَبِعَهُ الْخَطَّابِيُّ فَزَعَمَ أَنَّ قَوْله تَتَوَضَّأ تَصْحِيف وَتَغْيِير مِنْ النَّاسِخ ، وَإِنَّمَا الصَّوَاب اِمْرَأَة شَوْهَاء ، وَلَمْ يَسْتَنِد فِي هَذِهِ الدَّعْوَى إِلَّا إِلَى اِسْتِبْعَاد أَنْ يَقَع فِي الْجَنَّة وُضُوء لِأَنَّهُ لَا عَمَل فِيهَا ، وَعَدَم الِاطِّلَاع عَلَى الْمُرَاد مِنْ الْخَبَر لَا يَقْتَضِي تَغْلِيط الْحُفَّاظ . ثُمَّ أَخَذَ الْخَطَّابِيُّ فِي نَقْل كَلَام أَهْل اللُّغَة فِي تَفْسِير الشَّوْهَاء فَقِيلَ هِيَ الْحَسْنَاء وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة ، وَإِنَّمَا تَكُون حَسْنَاء إِذَا وَصَفْت بِهَا الْفَرَس ، قَالَ الْجَوْهَرِيّ: فَرَس شَوْهَاء صِفَة مَحْمُودَة وَ"الشَّوْهَاء"الْوَاسِعَة الْفَم وَهُوَ مُسْتَحْسَنٌ فِي الْخَيْل وَالشَّوْهَاء مِنْ النِّسَاء الْقَبِيحَة كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَغَيْره ، وَقَدْ تَعَقَّبَ الْقُرْطُبِيّ كَلَام الْخَطَّابِيِّ لَكِنْ نَسَبَهُ إِلَى اِبْن قُتَيْبَة فَقَطْ ، قَالَ اِبْن قُتَيْبَة: بَدَل تَتَوَضَّأ شَوْهَاء ثُمَّ نَقَلَ أَنَّ الشَّوْهَاء تُطْلَق عَلَى الْقَبِيحَة وَالْحَسْنَاء ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَالْوُضُوء هُنَا لِطَلَبِ زِيَادَة الْحُسْن لَا لِلنَّظَافَةِ لِأَنَّ الْجَنَّة مُنَزَّهَةٌ عَنْ الْأَوْسَاخ وَالْأَقْذَار ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب التَّعْبِير"بَاب الْوُضُوء فِي الْمَنَام"فَبَطَلَ مَا تَخَيَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة الرُّمَيْصَاء وَأَنَّهَا كَانَتْ مُوَاظِبَة عَلَى الْعِبَادَة ، كَذَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين عَنْ غَيْره وَفِيهِ نَظَر . فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة - (7 / 45)